قسم الدكتور طه حسين قصيدة امرئ القيس إلى أجزائها الأولى: فوصف اللهو مع العذارى وما فيه من فحش أشبه بأن يكون من انتحال الفرزدق منه بأن يكون جاهليًا، وسرد دليلًا على ذلك خبر تمثل الفرزدق بيوم دارة جلجل. أما وصف الخليلة وزيارتها وتجشمه العناء للوصول إليها وتخوفها من الفضيحة، وخروجها معه وما كان بينهما من اللهو فهو أشبه بشعر عمر بن أبي ربيعة منه بأي شيء آخر فقد احتكر؛ هذا الفن احتكارًا ولم ينازعه فيه أحد [1] .
وقد دقق الرافعي أولًا في الرواية بالرجوع إلى المراجع، وبين أن الأستاذ كذب وزاد في خبر الفرزدق. فرواية الأغاني ليس فيها أنه أنشد الأبيات، فكيف تكون من شعره؟ وواضح كيف أعانته الرواية في تحقيق نسبة الشعر، إضافة إلى نظرته المنطقية للأمر، فعلى قياس المؤلف فإن كل شاعر من شعراء الهجاء يمكن أن يلحق بشعره كل قول فيه هجاء وسب وإقذاع. ثم انتقل إلى النقد المقارن بين الشاعرين، وقال إن الوصف أغلب على امرئ القيس من أنه غوي عاهر متفحش، وهو يجري في شعره على خلق وطبيعة. وله جرأة عليه تشعرك بأنه ابن ملك كلامه فوق الناس، وفحشه يأتيه من قبل الغزل والنسيب لا كفحش الفرزدق فإنه من قبل الهجو واللؤم، فلا يعد من أهل الغزل. وأهل الحجاز يقدمون جميلًا عليه فيه، وأورد نصًا على ذلك. وللرافعي رأي منطقي تاريخي أدبي في حديث الفرزدق فهو عنده موضوع لأنه فضح فيه نفسه وجعل النساء يسخرن منه، وما يحسب الفرزدق يروي ذلك عن نفسه ويرضاه وهو من هو في الفخر، وإنما تلك أقاصيص توضع للنادرة والتظرف والسخرية. وكيف يضع الفرزدق على امرئ القيس وهو يذكره في شعره ويقدمه ويعده أحد النوابغ الذين وهبوه الشعر.
استمر الرافعي في نقده المبني على الفهم العميق للأغراض الشعرية وصولًا إلى فن ابن أبي ربيعة فهو داخل عنده في رقة النسيب، فإن كان قد
(1) ـ 146.