يصطنعوه على نحو ما يقولون؟ وإن كانت قصيدة امرئ القيس مصطنعة في العصر الذي دون فيه الشعر في الصحف، فلم لم لم يدونها صانعها ويرسلها للناس واضحة جلية، فلا يكون فيها بيت مختلف ولا اضطراب في ترتيب أبياتها. رد الخضري هذا الرد المنطقي مستخدمًا الأسئلة التقريرية التي تجبر العقل على الاعتراف بوجود الشخصية في الشعر الجاهلي، ثم علل اضطرابه بما علله الرافعي.
وانتقل الخضري بعد ذلك - في رد ينم عن علم بالأدب والنقد وسعة اطلاع - إلى تعليل عدم وجود الوحدة وإثبات وجود الشخصية، فوضح أن الوحدة لم تكن من شأن العرب في جاهليتهم بل كانت لهم أغراض يتنقلون بينها، ولم تر هذه الوحدة إلا عند قليل منهم. ولم تتغير هذه الحال في الشعر الإسلامي في القرن الأول. وكما شذ في الجاهليين شذ في الإسلاميين بعض شعرائهم فوحدوا المقصد في شعرهم. أما شخصية الشاعر فتظهر في ألفاظه وأساليبه وأخيلته، وهذا واضح في شعر الجاهليين [1] .
بينما اكتفى الخضر حسين بتعليل سبب الاختلاف في الألفاظ أدبيًا وفي اختصار شديد، فهو إما لتغيير الراوي إلى كلمة توافق لغته، أو للنسيان. ويحتمل أن يكون الشاعر نفسه قد أنشد البيت على وجهين أو وجوه في أوقات مختلفة. أما الاختلاف في ترتيب الأبيات فقد رده"تشارلس لايل"بأنه شيء طبيعي في أشعار لم تدون قط. ونستطيع هنا ملاحظة تقوية الرد بالمراجع عند الخضر.
أما جمعة فقد اقتصر على توضيح سبب وجود الاختلاف بالنقل عن"نولدكه"، الذي رأى أن الاختلافات تنشأ عن اختلاف بعض قواعد النحو في النطق والقراءة على حسب آراء العلماء الذين وضعوها ولقنوها [2] .
(1) ـ 70.
(2) ـ 300.