ثم راح الغمراوي يأتي بما لم ينتفع به الدكتور طه حسين، مما يخالف دعواه موجزًا. فقد أشار الرافعي في بعض كلماته أن الخليل قد حصر بحور الشعر بعد أن استقرى الميسور له منه، وهو أكثر من الميسور اليوم لأنه لم تعبث به حوادث الدهر عند سقوط الدولتين العباسية والأندلسية، فلو عثر أثناء استقرائه على ما يتوهمه المؤلف لأذاعه. ولما سئل المؤلف أن لماذا استقامت أوزان الشعر للشعراء بعد الإسلام مع بقاء تعدد اللهجات - وهو اعتراض جمعة - رد بقوله أن القبائل اتخذت للأدب لغة غير لغتها. وهذا الرد لا يصح جوابًا للاعتراض إلا أن تكون أوزان الشعر الإسلامي كلها أوزانًا قرشيةً، وكيف يتأتى هذا مع قلة حظ قريش من الشعر. ثم ما للإسلام وما للشعر؟ لماذا يدع أكثر العرب أوزانهم التي ألفوا إلى أوزان لم يألفوها لا تتفق مع لهجاتهم وليس القرآن ولا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بمضطرهم إلى ذلك [1] . ثم ذكر رأي الخضر حسين حين قال إن لغات القبائل المختلفة في صميمها متحدة، والاختلاف بينها كان في جزئيات لا تعدو أن تجعلها لهجات متعددة للغة واحدة [2] . فالغمراوي هنا يعتمد المنطقية في رد أجوبة الدكتور طه حسين على اعتراضات ناقديه.
زعم الدكتور طه حسين أنه لابد أن تختلف لغات العرب العدنانية وتتباين لهجاتهم قبل ظهور الإسلام، ولا سيما إذا صحت نظرية العزلة العربية , وثبت أن العرب كانوا متنابذين متقطعين , وأنه لم يكن بينهم من أسباب المواصلات المادية والمعنوية ما يمكن من توحيد اللهجات [3] . في حين أنه قال قبل ذلك أن العرب كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم ولم يكونوا أمة معتزلة في صحرائها [4] .
(1) ـ 195 وما بعدها.
(2) ـ 206.
(3) ـ 32.
(4) ـ 21.