ومراعاة للموضوعية قدر الإمكان كان يعترف له بالإصابة ويوضح مكانها ويعقب عليها إن كان فيها ما يحتاج إلى تعقيب [1] ، ويثني على بعض ما جاء به [2] ، وينبه إلى موقف له يشبه المواقف العلمية [3] . فهو وإن كان يخطئ الشاكلة فقليلًا ما يصيبها أو يكاد [4] .
بعد الاطلاع على تراجم نقادنا الستة، ووصف كتبهم من حيث مناهجها ومراجعها وأدواتها النقدية نستطيع أن نقول مطمئنين إنه قد ظهر بجلاء ما كنا نرجوه من تأثير ثقافة الناقد على اختياراته وتركيزاته وأدواته. ولولا أن هنالك فرقًا بين نظرة كل منهم إلى الكتاب لما تجاسر المتأخرون على النقد بعدما صدرت مقالات الرافعي ومحاضرات الخضري. ولكن كان لكل ناقد منهم مذاقه الخاص، ولم يغن ناقد عن ناقد وقد اختلفت الثقافات وتنوعت الاتجاهات.
كان بين أيدنا ستة أصناف من النقد، من ستة مصادر مختلفة: الأديب والتربوي، والشيخ والصحفي، والمحامي والعالم الطبيعي. وكانت تصل هؤلاء بالأدب والتاريخ أسباب متفاوتة في المقادير، كانت هذه الصلة هي السمة التي أظهرت لنا ذلك القدر المشترك المتشابه من الأدوات والوسائل، إذ لابد أن تفرض طبيعة المنقود على الناقد شيئًا من ذلك. وهذا ما سنتوسع فيه في الباب الثاني بإذن الله. أما نواحي الاختلاف والتباين فيمكن تناولها على النحو التالي:
أ ـ تباين في الأسلوب. فالرافعي يستخدم الأسلوب الأدبي المليئ بالحوارات والانفعالات، وتميز لغيرته بسلاطة اللسان وعدم عفته وتجاوز المنقود إلى صاحبه. بينما نجد عند الخضري الهدوء والثقة والأسلوب التربوي الرفيع بما
(1) ـ 43، 56، 115، 123، 263.
(2) ـ 22.
(3) ـ 198.
(4) ـ 97.