خطورة شأن القصاص أن رجلًا جليلًا كان في مقدمتهم هو الحسن البصري. فالطبقة الأولى من القصاص كانت طبقة علماء فضلاء لم يأتوا بأمر مرذول، وانقضى القرن الأول ولهم الكرامة ولديهم العلم والأدب والفن الصحيح. وما أشبههم بأساتذة الجامعات لكل منهم مجلس محفوف بالمهابة والاحترام. وكان أول فساد هذا الأمر بإدخال أخبار الأمم السالفة والديانات الأخرى، فخرج القصاص من مجال الحقائق إلى الروايات وفنون الخيال. فالقصص لم يكن من الدين ولا من السياسة ولا من العلم الصحيح أو الأدب الراقي، بل كانًا فنًا وسطًا من فنون الآداب العامية أشبه بما يسميه الإفرنج"فلكلور"، دعت إليه الحاجة لما كان الشعب متعطشًا لمبادئ العلوم والتاريخ؛ إذ كانت الكتب معدومة ولم تتمخض عقول العرب عن علومهم بعد، فظهر فن القصص ونما ثم ذوى وذبل، وكان مقضيًا عليه منذ بدايته لأن العرب انشغلوا بالتفسير والحديث والفقه والسنة. أما هذا القصص فكان بعد الطبقة الأولى مظهرًا من مظاهر الخيال الشرقي، فلا عجب إذا انصرف المسلمون عنه وهم أهل جد واهتمام بالأمور الخطيرة [1] .
ومن الظاهر أن الفرق بين الرافعي وجمعة أن الأول حكم على القصص في بداية نشأته ربما رغبة في مخالفة حكم المؤلف، ولم يذكر فساد القصص فيما بعد إلا بإيجاز وتهميش، أما الثاني فقد وضح فقط أن المؤلف عمم الحكم بينما ينطبق حكمه على ما بعد الطبقة الأولى، وهو نقصان في الاستقراء عنده.
زعم الدكتور طه حسين أن الأحزاب السياسية على اختلافها كانت تصطنع القصاص ينشرون لها الدعوة، كما كانت تصطنع الشعراء يناضلون عنها. والتعمق في درس حياة القصاص الذين كانوا في البصرة والكوفة ومكة
(1) ـ 233.