المعنى اتخذ مصطلحًا خاصًا، فالمذكِّر غير القاص وهو غير الواعظ. فالقاص: هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها، وذلك القصص، وهذا في الغالب عبارة عن مَنْ يروي أخبار الماضين. وهذا لا يذم لنفسه - وقد يفسر هذا قول الرافعي بعد أن تعاطاه الجهال من غير أهله -. وأما التذكير: فهو تعريف الخلق نعم الله تعالى عليهم وحثهم على شكره وتحذيرهم من مخالفته. أما الوعظ: فهو تخويف يرق له القلب [1] .
أما الخضر حسين فقد ذكر في عدم احتفال أصحاب الجد من المسلمين بالقصص أنْ لعلهم وجدوا أنّ القرآن والحديث وآثار الذين أوتوا الحكمة أفضل مما جاء به القصص [2] .
فمن هذا يبدو أن الخضر كان لا يعلم في فن القصص كما يعلم الرافعي حتى يعلل انصرافهم بهذا التعليل دون أن يجد في كلام الدكتور طه حسين مبالغة وخطأ. فكراهية علماء السلف للقصاص وتحذيرهم منهم يرجع إلى خوفهم من أن يتسلل النفاق وتستخدم المبالغة ويشيع الكذب والرياء والوضع. أما إذا قصّ على الناس ووعظهم من يعرف الصحيح من الفاسد والناسخ من المنسوخ، وكان حافظًا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عارفًا بصحيحه وضعيفه ومسنده ومنقطعه، عالمًا بالتواريخ وسير السلف، حافظًا لأخبار الزهاد، فقيهًا في دين الله، عالمًا بالعربية واللغة، فصيح اللسان، ومدار ذلك كله على تقوى الله عز وجل، فلا كراهة [3] . وهذا المفهوم الأول الأصيل لمعنى القصص ينطبق - كما قال الرافعي - على السلف الأول الذين كانوا كلهم وعاظًا وقصاصًا ومذكرين [4] .
وإلى هذا نبه جمعة أيضًا، فبعد أن ذكر أن غاية القصاص الأصلية تعميم العلوم ونشرها بين الدهماء والطبقات النازلة من الشعب. قال إن من
(1) ـ قاسم السامرائي / 52، 18.
(2) ـ 230.
(3) ـ قاسم السامرائي / 22.
(4) ـ السابق / 21.