فالخضري أخذ على الدكتور طه حسين أنه قد رد حديث العزلة وهزئ به حينما بدا له أن يبين خطأ من يدرسون أدب اللغة ويعتمدون على الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الإسلام , ثم اعتمد عليه لما أراد أن يثبت معقولية التخالف [1] . نلاحظ أنه في هذا الرد الموجز اكتفى الخضري ببيان التناقض دون أن يشرح كيفيته.
وقد وافقه الخضر حسين في ذلك إذ رأى أن المؤلف أنكر نظرية العزلة حين رآها تعترض ما أراده من أن للجاهليين اتصالًا بالعالم الخارجي , وود في هذا الفصل أن تستقيم له لأنها تؤيد نظرية عدم التقارب بين لغات القبائل , فليس بمستبعد على مثل المؤلف أن يقول لك في صراحة وعجل: إن تلك القبائل كانت على مدنية شائقة , وكانت تمتطي طيارات تمخر بها في ... الجو حتى تتصل بالأمم الأجنبية ولا تلقى في سبيلها شخصًا من قبيلة أخرى عربية , تفعل ذلك حذرًا من أن تتقارب لهجاتها ويتماثل شعرها [2] . ففي هذه العبارة الساخرة أظهر لنا الخضر بجلاء كيف أدى التناقض بالمؤلف إلى أن يجعل عقله عرضة للسخرية والتهكم.
وللغمراوي موقف مشابه أكثر ميلًا إلى الاختصار ساقه في أسلوب الاستفهام الإنكاري، فقال: أليس غريبًا أن ينكر صاحب الكتاب نظرية العزلة العربية إنكارًا شديدًا في الفصل الذي كتبه عن الحياة الجاهلية ثم يأتي هنا يستأنس بها على صحة ما يقوله الرواة [3] .
قال الدكتور طه حسين إذا لم يكن نظم القرآن - وهو ليس شعرًا ولا مقيدًا بما يتقيد به الشعر - قد استطاع أن يستقيم في الأداء لهذه القبائل , فكيف
(1) ـ 14.
(2) ـ 100.
(3) ـ 195.