عليها الأمم المتمدينة، وامتد سلطانهم إلى أكثر المعمور، وأصبحوا دولة آلت إليها الخلافة في الأرض [1] . إذن فقد اثبت وجدي تأثير كليهما ولم ينفه، ربما لأنه - وباضطلاعه في التاريخ وتفسيره اجتماعيًا - وجد لتأثير السياسة صورة أخرى سليمة على خلاف ما رآها الخضر عليه. قد يكون هذا بناءً على علم الاجتماع، وقد يكون حسن ظن بنوايا المؤلف في حين أساء الآخر الظن بها. خصوصًا أن حديثه عن السياسة وانتحال الشعر أعطانا ذات الصورة التي استنبطها الخضر.
زعم الدكتور طه حسين أنه لما حان فتح مكة نظر زعيمها وحازمها أبو سفيان فإذا هو بين اثنتين: إما أن يمضي في المقاومة فتفنى مكة، وإما أن يصانع ويصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس، وينتظر لعل السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلى المدينة ومن قريش إلى الأنصار يعود إلى قريش ومكة مرة أخرى. أسلم أبو سفيان وأسلمت معه قريش، وتمت للنبي صلى الله عليه وسلم هذه الوحدة، وأصبح الناس جميعًا في ظاهر الأمر إخوانًا مؤتلفين في الدين [2] .
فردًا على هذا بين الرافعي أن أبا سفيان رضي الله عنه كان من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وشهد معه حنينًا والطائف، وفقئت عينه في هذه، وهو القائل بعد غزوة حنين للرسول صلى الله عليه وسلم:"والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت ولقد سالمتك ... فنعم المسالم أنت". ثم ألقى تساؤله الإنكاري: أفهذا كلام منافق ينتظر ويتربص [3] .
(1) ـ 85.
(2) ـ 51.
(3) ـ 219.