على التأليف [1] . صحيح أن جمعة طوع المراجع في النقد تطويعًا حسنًا بعد تحليله التاريخي الاجتماعي، ولكن استشهاده بالشعر وقوله إن المؤلف لم يستقص ما ورد من الشعر في الرحلة إلى القسطنطينية ففيه نظر، حيث إن المؤلف ذكر أن ما يتصل بهذه القصة كله موضوع، وما لم يجده في شعر امرئ القيس هو وصف القسطنطينية، وإلا لما علل الخضري عدم وروده في شعره، فهل الخضري أيضًا لم يستقص؟
زعم الدكتور طه حسين عن معلقة امرئ القيس أن القدماء أنفسهم يشكون في بعض أبياتها، ويختلفون في ألفاظها وترتيبها، وهو أمر شائع في الشعر الجاهلي كله، حمل المستشرقين على تصور الشعر العربي غير منسق ولا مؤتلف، وأن الوحدة والشخصية الشعرية لا وجود لهما، بخلاف الشعر الإسلامي الذي يتحدى أي عابث أن يعبث به دون أن يظهر عبثه [2] .
وقد نبه الرافعي في منطقية إلى التناقض بين فساد صورة الشعر العربي في أعين المستشرقين بسبب ما تقدم، وتوفر هذه الوحدة في الشعر الإسلامي، كأن المستشرقين لم يطلعوا عليه. ثم علل سبب الاختلاف في الألفاظ والترتيب تارخيًًا، فالعرب قوم أناجيلهم في صدورهم لم يكتبوا ولم يدونوا، ومع الحفظ النسيان قليله وكثيره، فإذا نسي كلمة وضع غيرها مكانها ليقيم البيت؛ إذ لا بد أن يرويه ويتمثل به. ثم يكون غيره لم ينس فيروي الشعر على أصله، فتجتمع روايتان. وقد يردد أحدهم القصيدة فيقدم ويؤخر في أبياتها كما تتفق له حالة الذاكرة في وقته ذاك.
أما الشخصية الشعرية فقد أثبتها الرافعي أدبيًا حين قال إنها إذا كانت غير موجودة في الشعر الجاهلي الذي انتحله القصاص والرواة، ووجدت في الشعر
(1) ـ 292.
(2) ـ 145.