وللخضري وقفة أخرى منطقية فيها تعليل وتبرير تاريخي لعدم ورود وصف القسطنطينية، فلا عجب من ذلك ما دام الرجل لم يعش بعد أن ورد القسطنطينية، ولم يكن مع خيبة أمله بالذي يفرغ لقول الشعر ووصف المظاهر الرومية.
وبطريقة الفرض والاستبعاد زاد الأمر إثباتًا، فلو كان الأمر راجعًا إلى القصاص كما يفترض المؤلف وهم الذين وضعوا هذا الشعر كله، ما أعجزهم أن يقولوا أبياتًا يسدون بها هذا النقص.
ثم أتى الخضري بالدليل الدامغ الذي لا يستطيع المؤلف إنكاره على ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية، وهو أن كتّاب الروم أنفسهم ذكروا أحاديثه في كتبهم. ونقل ما يثبت ذلك موثقًا [1] ؟ واستخدم المراجع بذلك استخدامًا رائعًا.
أما الخضر حسين فقد قال إنه من الجائز أن يكون في الأخبار المتصلة بالقصة ما ليس ثابتًا، لكن ذهابه إلى القسطنطينية ثابت بتوارد الروايات عليه، وما تتوارد عليه الروايات لا يحكم عليه بالانتحال بدون بينة. وقد شارك الخضري في أن الروايات غير العربية تؤيد ذلك أيضًا ووثق رأيه [2] . فالعودة للمراجع من ديدن الخضر. رغم أنه لم يعلل عدم ورود الوصف في الشعر.
أما جمعة فقد توسع قليلًا في إثبات الرحلة مبتدءًا ذلك بنفيه العجب من التجاء امرئ القيس إلى قيصر وإكرام وفادته؛ لأنه ما فتئ ملوك أوروبا قديمًا وحديثًا يكرمون أمراء العرب ويبذلون لهم المعونة. وهنا يتضح ميل جمعة للمقارنات التاريخية بين القديم والحديث ليثبت أن الأمر سائغ في التاريخ وعلم الاجتماع. وما دام المؤلف لا يصدق مؤرخي العرب نقل إليه نصًا من مرجعين أوروبيين. وأورد شعرًا نظمه امرؤ القيس في رحلته إلى القسطنطينية رد به زعم المؤلف عدم ذكرها في شعره، وعذره في ذلك أنه لم يستقص الشعر قبل إقدامه
(1) ـ 66.
(2) ـ 303.