زعم الدكتور طه حسين أن الهجاء الذي كان بين شعراء الأنصار وشعراء قريش يجب أن يكون قد بلغ أقصى ما يمكن من الحدة والعنف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرض عليه ويثيب أصحابه ويقدمهم ويَعِدُهم، مثل ما كان يعد المقاتلين من الأجر والمثوبة عند الله، ويتحدث أن جبريل كان يؤيد حسانًا [1] .
وقد وجه الرافعي نقده وجهة أدبية كان يريد بها أن يذب عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم هذه التهمة، فهو لم يكن به الهجاء ولا الإقذاع، وإنما كانت تلك سنة عند العرب لحماية أعراض المسلمين، فإذا سكت المشتوم صُدِّق الشاتم فجرى كلامه مجرى التاريخ الصحيح. ومعارك الألسنة لا يسكت فيها إلا الذليل فسكوته ذل. فكان لا بد ليتعالمه العرب، ولا يؤثر هجاء قريش أثره فيهم فيكون سببًا في نفرتهم والتوهين من أمر المسلمين عليهم. كما أن جبريل لم يكن يؤيد حسانًا في الهجاء، بل في الكفاح عن نبيه صلى الله عليه وسلم كما ورد في الحديث: (إن الله ليؤيد حسانًا ما كافح عن نبيه) [2] . تلمح في هذا النقد أثر الفهم الصحيح لتاريخ الإسلام وتاريخ الأدب عند الرافعي.
كما تلمحه أيضًا في رد الخضر حسين، إذ بين أن المشركين لما جعلوا يسطون على مقام النبوة بالهجاء ويتخذونه سلاحًا لمحاربة الدين كان من الحكمة البينة أن يكافح أولئك الهجاؤون بسلاحهم، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت وغيره أن يجازي السيئة بمثلها، فليس من الصواب أن يخلي السبيل لتلك الأشعار الطاعنة فتطرق كل أذن وتحوم على كل قلب دون أن تقف أمامها قوة تعمل على مثالها فتكف بأسها [3] .
(1) ـ 50.
(2) ـ 218.
(3) ـ 146.