ذكر الرافعي أن هذه الطريقة القائمة على الشك والتخمين والحدس والاستنتاج إنما تجيء بعد استقراء المادة والإحاطة بها من جميع جهاتها ثم التجرد من الأهواء والنزعات، وهي مع ذلك لا تخرج التاريخ نفسه كما هو في الواقع وإنما تجيء برأي فيه يكون معياره دائمًا ذكاء صاحبه وعقله وخياله [1] . فكأن الرافعي هنا يجيب عن (متى؟) بشروط الشك ونتيجته.
أما الخضري فقد بين أنه يحق للعالم أن يشك إذا أظهر بحث علمي شيئًا لا يتفق مع المجمع عليه أو المشهور، فيكون معه حق ويعذر في حيرته وتردده، أما وهو يتكلف الشك لأن غيره سبقه به فلا نرى لكلامه قيمة تاريخية علمية، ونضطر إلى أن نحكم عليه بأنه يتعمد الهدم بلا مبرر من العلم [2] . لا شك أن الخضري هنا يجيب ببيان مبررات الشك. ثم عقب بأنه ما دام في مقام الهادمين لشيء توارثه الناس وارتضوه ظانين صحته ولم يحركهم إلى الشك فيه داعية استحالة أو بعد فينبغي عليه إزاء هذا الشك أن لا يغفل الأمور الهامة [3] ، وأن يعطي فرضه هذا حقه من الإثبات؛ بل والإسهاب في الإثبات [4] . وفي عبارته يبرز أسلوبه التربوي الذي يرشد إلى الصواب. وهو هنا يقصد شرط الاستقصاء في الاستقراء بحيث لا يشذ عن الفرض شيء.
وإلى الفكرة نفسها نبه جمعة، فمهما يكن مدى الاستقراء لا يمكن أن يؤدي إلى وضع علم المتقدمين كله موضع البحث أو الشك، فإن جميع علم المتقدمين شيء كثير، وهو مجموع جهود مكدسة لأجيال من العلماء. فكيف
(1) ـ 142.
(2) ـ 8 وما بعدها.
(3) ـ 13.
(4) ـ 26.