كطول الفراش وإن مزق الشد أوصاله، وإذا وجد الضيف طويلًا بتر منه ما يزيد عن طول الفراش. لم ينج من أولئك إلا ما طابق سرير ذاك. لكن ما مات من حقائق التاريخ لم يمت ولا يموت إلا في ذهن من أخذ بمبدأ صاحب الكتاب [1] .
وفيما يلي أهم القضايا التاريخية الواردة في الكتاب، مجموعة على سبيل التمثيل لا الحصر:
زعم الدكتور طه حسين أن الشعر الجاهلي يصور العرب قبل الإسلام أمة معتزلة في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي، بينما يحدثنا القرآن بأنهم كانوا على اتصال قوي بمن حولهم قسّمهم أقسامًا وفرقهم شيعًا، كما انقسم العرب إلى حزبين مختلفين: حزب يناصر الروم وحزب يشايع الفرس حينما قامت بينهما الحرب، واستشهد على ذلك بآية: {غُلِبَتِ الرُّومُ} . كما يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم في السورة المعروفة: {لإِِِِِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [2] .
ردًا على هذا بيّن الرافعي أن قوله تعالى {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} إنما هو إنباء بالغيب يدخل في باب المعجزة لا في باب التاريخ ولا في باب السياسة، فهو دليل على جهل تلك الأمة وبداوتها لا على علمها وحضارتها؛ ولن يكون القرآن دليلًا على علم العرب وحضارتهم ومعرفتهم بالتاريخ واتصالهم بالسياسة إلا إذا كان كلامَ النبي الذي جاء به لم يكن وحيًا ولا تنزيلًا [3] . فقد فرق الرافعي بين أخبار القرآن وأخبار التاريخ، ونفى دلالة الآية نهائيًا على المعنى الذي أقامها المؤلف دليلًا عليه، بل جعلها تدل على عكسه، وفسرها دون ما يشعر برجوعه إلى مرجع، ثم لم ينس أن ينفس عن عاطفته الدينية حينما نبه إلى ما توحيه العبارة من معنى بشرية القرآن.
(1) ـ 274.
(2) ـ 22.
(3) ـ 161.