فهرس الكتاب
بينما لفت الخضر حسين فيما يخص هاتين الآيتين إلى أمر مهم يهدم استدلال المؤلف بهما، وهو أنهما لا تدلان على ما قاله بصريحهما، ولكن المفسرين بحثوا عن طريق الرواية وأخذًا بأسباب النزول. فلم يأخذ المؤلف معنى اتصال العرب بالأمم المجاورة من القرآن مباشرة، إنما تلقفه من المفسرين والمؤرخين. ثم أضاف أن تفاصيل ما دلت عليه هذه الآية موجودة في الشعر الجاهلي وما يتصل به من الأخبار [1] . فكون الخضر يعزو معنى الاتصال إلى المؤرخين والمفسرين معناه أنه يشترك مع الرافعي في عدم دلالة الآية على المعنى المراد الاستشهاد عليه. فهو معنى تاريخي، وذكر كذلك في الشعر الجاهلي مما يجعله صالحًا لتصوير حياة العرب في الجاهلية.
إذن فآية الروم لا تدل على تأثر العرب من انتصار إحدى الطائفتين على الأخرى في أية ناحية من نواحي شؤونهم الاقتصادية أو الأدبية، وقد أوّلها وجدي بكونها لا تعدو التفاؤل. فالمشركون فرحوا بانتصار الفرس لأنهم لا كتاب لهم وانتصروا على من له كتاب مثل المسلمين، فسينتصرون على المسلمين، فنزلت الآية تنبؤهم أن النصر سيكون للروم في بضع سنين، فكان الداعي نفي تفاؤل المشركين، لا أنهم كانوا مؤثرين في السياسة العامة ولا متأثرين بها. فالملاحظ أن وجدي اشترك في نفي دلالة الآية على المعنى ولكن من ناحية شرح دلالتها الحقيقة، لا من حيث بيان مصدر الدلالة. وفي شرحه لهذا المعنى ظهر غلو الرافعي في جعل دلالتها على عكس المراد. وتناقض مع الخضر كذلك الذي جعل التفسير دالًا على ما أراد المؤلف.
والحق أن تفسير وجدي هو ما جاء فعلًا عند المفسرين، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم أهل الكتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس، لأنهم أهل الأوثان، فذكروا ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أما إنهم سيهزمون". فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا: أفنجعل بيننا وبينكم أجلًا، فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلبنا كان لنا كذا وكذا؛ فجعلوا بينهم وبينه أجلًا خمس سنين
(1) ـ 63.