وقد استنكر جمعة الفكرة وقال إن القارئ قد يهوله أمر هذا الهجاء ويحسب أن أفصح العرب كان يخشى جانب هؤلاء الشعراء أو أنهم نالوا منه ما يحط من قدره في نظر أصحابه وأنصاره، والواقع والتاريخ يكذبان هذا المؤلف فقد كان فحول الشعراء من قريش يتقدمون إلى محمد صلى الله عليه وسلم تائبين معتذرين. على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرى بأسًا من مناصرة الشعراء له يدفعون أقوال شعراء قريش. فهؤلاء الشعراء الثلاثة الذين كانوا ينافحون عن الأنصار لم يُقِمْهم هو؛ ولكن أقامتهم العادة التي جعلت قولهم أشد على بعض العرب من نضح النبل. النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالفخر ولا بالهجاء، وقد نهى عن عادة العرب ونخوة الجاهلية، ولكن الوثنيين لم يتركوها، وكانوا يهيجون شعراءهم حتى غضب الأنصار فردوا كيدهم بعد أن أُذِن لهم حتى يدفعوا أذى المعتدي بنفس السلاح [1] .
ونرى أن هؤلاء النقاد الثلاثة قد اتفقوا على المبدأ نفسه وهو أن الهجاء ضرورة أملاها واقع العرب وعادتهم لا مناص منها لدفع الخطر عن سمعة الإسلام بذات السلاح، لا حبًا في الهجاء والإقذاع. لكن جمعة أحس من عبارات الدكتور طه حسين أنه يرمي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخشى على سمعة الإسلام عند العرب فحسب، بل على قدره أيضًا بين أصحابه وأنصاره. فَهَوَّن جمعة من خطر هذا الهجاء لإبعاد هذه الدعوى. وذكر أن رد المسلمين لم يكن ضرورة، بل دعمًا زائدًا لا بأس به.
(1) ـ 180.