يستبين منها صحة النقد. ثم عقب بعرض نقدي بديع لمسألة ورود الشعر على لسان الجن، فقد بين أن القارئ لا يخطر بباله حين يقرأ الأبيات المنسوبة إلى الجن أن الجن هي التي قالتها ولكنه يعلم أن هذا الشعر يتضمن فكرة الشاعر المعلوم أو المجهول الذي نظمه ولم ينسبه لنفسه، وأن الجن ليست إلا وسيلة لروايته، كما فعل شعراء الإفرنج مثل غوته وشكسبير ودانتي وميلتون. ونحن لا نصدق ذلك، بل نعد الشعر الذي نسب إلى الجن في مقتل سعد بن عبادة ورثاء عمر بن الخطاب من النوع التمثيلي الفطري الذي لم تنضج مواهب العرب في بابه؛ لأنهم وإن لم ينظموا شعرًا تمثيليًا فإن خيالهم اتجه إلى هذا النوع من الأدب. ونستطيع أن نلاحظ هنا كيف وظف جمعة ثقافته الأوروبية واعتمد طريقته في المقارنة بين الأدب العربي والإفرنجي وفسر مسألة شعر الجن تفسيرًا لم يسبقه إليه أحد.
ثم انصرف بهذه المقارنة إلى قضية أخرى وهي الاستدلال بمنطقية على بطلان ما قاله المؤلف من كون كل ما ورد في الأدب العربي منسوبًا للجن قد وضع بعد الإسلام لتبرير سورة الجن، فكثير من الأمم القديمة والحديثة تعتقد في الجن وتروي عنها الأخبار والنوادر وهم لا يعتقدون بالقرآن ولا يعرفون سورة الجن [1] .
وللغمراوي إشارات قليلة إلى عدم منطقية رفض الشعر المتعلق بالجن لأن القرآن حدث عنهم فاخترع الناس الأشعار تأييدًا للقرآن [2] . وهذه الإشارات تدخل في باب النقد السلبي الذي لم يبين فيه لماذا كان خطأ وما هو الصواب.
ابتدأ الدكتور طه حسين هذا الفصل باعتقاده أن الذين درسوا تاريخ الأدب العربي لم يقدروا القصص قدره، ولم يفطنوا إلى تأثيره في انتحال الشعر وإضافته
(1) ـ 204، وما بعدها.
(2) ـ 236.