إذن فقد أطال الخضري في الرد وعلل إطالته بأنه أراد أن يدلل على أنه يجب على الأستاذ أن يكون متحريًا في نقله، مدققًا في جمله، لا يرسلها إرسالًا لمجرد أنه يريد الاستهانة بفريق من الرواة [1] . وفي هذا التعليل توجيه للمؤلف إلى الطريقة العلمية للدرس.
أما الخضر حسين فقد لفت إلى أن مسألة وجود قرناء من الجن للشعراء في الجاهلية يلهمونهم الشعر مما كتب فيه القدماء والمحدثون، وعاد إلى المراجع ليبين أن المؤلف لم يكن هو الذي عقل بطلان ما يُزعم من أن للشعراء شياطين يلهمونهم الشعر، بل نبه عليه أناس من قبل أن يخلق ديكارت. وهو أمر كثيرًا ما يتكرر عند الخضر. بل من أهداف رده الرئيسية كما ذكر في مقدمة الكتاب.
ثم خاض في مسألة وجود الجن بتدرج علمي منطقي جميل، فقال إن وجودهم خارج عن حد الواجب والممتنع، وماذا بعد الواجب والممتنع إلا الإمكان، وما كان من قبيل الممكن يدل على تحققه قيام برهان على صدقه، وهل بعد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم برهان.
ثم أورد كالخضري نصوصًا من كتب الأدب ليثبت أن شعر رثاء عمر قد عزاه علماء الأدب إلى جزء أو مزرد أو الشماخ، ولا يتعرضون لعزوه إلى الجن، فضلًا عن أن يتهكموا بمن يعزونها إلى الشماخ [2] .
وبناء على طريقته في المقارنة بين الآداب واتخاذه منها وسيلة للنقد بحث جمعة مسألة الجن في الدين والأدب، عند الإفرنج والعرب، ثم ذكر أن روح التهكم في كلام المؤلف عن الجن ظاهرة، لكنه لا يريد التعرض لاعتقاده أو اعتقاد غيره في الجن، فليست غايته من كتابه تقويم اعوجاج الاعتقاد كما ذكر سابقًا.
وفي نقد علمي لطريقة المؤلف في طرح استدلاله بالأبيات قال إن المؤلف لم يذكر اسم الكتاب الذي نقل عنه الرواية ليحجب عن القارئ أدوات البحث التي
(1) ـ 36.
(2) ـ 188، وما بعدها.