وأصحاب الرواية مقتنعون بأنهم رثوه. وهم يتحدثون في شيء من الإنكار والسخرية بأن الناس قد أضافوا هذا الشعر للشماخ بن ضرار [1] .
وقد وصف الخضري هذا الكلام بأنه مجازفة لا تحتمل، واستدل على هذا من تاريخ الأدب بأن أمر الجن شائع في أيام العرب، وكانوا يزعمون بأن لكل شاعر من كبار شعرائهم جنيًا يؤيده في شعره، فادعاؤهم بعد ذلك أن هذا كان أثرًا من آثار القرآن غير صحيح إذ لا دليل عليه. وأحال الخضري القارئ على ما لفلاسفة المسلمين وعامتهم من آراء مختلفة في تفهم حقيقة الجن، ليس هذا موقع بيانها، ولو قرأها الأستاذ لاستراح وأراح.
ثم قابل الخضري بين رواية المؤلف لقصة رثاء عمر ونص ابن سلام، الذي هو من أصحاب الرواية، بل هو عمدة مقدم، وليس من المقتنعين بأن الشعر للجن، ولم يتحدث في شيء من الإنكار والسخرية بأن الناس قد أضافوا هذا الشعر إلى الشماخ. أما نسبة الأبيات إلى الجن فقد ورد في طبقات ابن سعد في حديث لعائشة قالت:"لما كان آخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين قالت: إذ صدرنا عن عرفة مررت بالمحصب سمعت رجلًا على راحلته يقول: أين كان عمر أمير المؤمنين؟ فسمعت رجلًا آخر يقول: ههنا كان أمير المؤمنين ... قال: فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته فقال: عليك سلام من أمير وباركت ... الخ. فلم يُحرَّك ذلك الراكب ولم يُدر من هو. فكنا نتحدث أنه من الجن ... قال: فقدم عمر من تلك الحجة، فطعن فمات. وروى بعد ذلك أن عائشة قالت: من صاحب هذه الأبيات: جزى الله خيرًا من أمير وباركت. فقالوا: مزرد بن ضرار، قالت: فلقيت مزردًا بعد ذلك فحلف والله ما شهد تلك السنة الموسم". وقد علق الخضري على هذا النص بما من شأنه أن يسقط استدلال المؤلف به ويبين تحريفه، فليس في ذلك الحديث شيء من الإنكار والسخرية اللذين زعمهما المؤلف، بل يدل على أن فريقًا من الناس كان يرى هذا الشعر لجزء أو مزرد بن ضرار، وفريقًا يرى أن قائله من الجن.
(1) ـ 70.