فهرس الكتاب
فهذا في نظره ذنب لا يغتفر، فهو منتحل، ومهما يكن علمه وتكن روايته لم يستطع أن يعصم نفسه من الانتحال [1] .
كان مما جاء به الدكتور طه حسين في معرض نقده فكرة التفرقة بين القدماء والمحدثين، والإيمان لأولئك والشك في هؤلاء، وأنه لم يكن لها مصدر سوى الفكرة التي تسيطر على نفوس العامة في جميع الأمم والعصور وهي أن القديم خير من الجديد. فزعموا أن القمحة كانت تعدل التفاحة في العصور الذهبية، وأن الرجل القديم يغمس يده في البحر فيأخذ منه السمك ثم يرفع يده ليشويه في جذوة الشمس ثم يزدرد شواءه ازدرادًا، وأن فخذ أحدهم اتخذت جسرًا يعبر عليه الفرات. فالذين يثقون بخلف وحماد والأصمعي وأبي عمرو بن العلاء إنما يثقون بهم لما تقدم [2] ؟
ويعلق الخضر حسين على هذا ساخرًا من تواضع المؤلف إلى نقد خرافات لم يبق لها أثر إلا في أفواه العجائز حين يؤانسون الأطفال، ثم اتجه الخضر إلى نقد هذه الخرافات تاريخيًا معتمدًا في ذلك على المراجع، فقصة عوج بن عنق ظلت سنينًا غائبة لا تلمح إلا في بعض الكتب القديمة تسوقها في معرض الإنكار، وقد جعلوها من أساطير القصاص الذين يقولون ما لا يعلمون، ومنشؤها - كما علل ابن خلدون - رؤية آثار الأقدمين ومصانعهم العظيمة، فيتخيل أجسامًا تناسب ذلك العظم، وذكر في المقدمة قصة عوج التي تحدث عنها المؤلف وأنحى عليها بالانكار.
ثم انتقل بعد ذلك إلى تحليل مسألة القدماء، فلم يكن رأي أهل العلم في الرواة إلا على نحو ما يسعه تاريخ حياتهم، ولم يغب عن الناس حال تلك المبالغات التي تدخل في تقدير محفوظات القدماء، وإن كان حفظهم أكثر من
(1) ـ 251.
(2) ـ 130.