زعم الدكتور طه حسين أن الشعر الجاهلي يظهر لنا حياة غامضة جافة، بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفوس والمسيطرة على الحياة العملية، وقد كانت قريش متدينة قوية الإيمان بدينها [1] .
لذا طالب الرافعي الدكتور طه حسين أن يذكر شعراء قريش من عهد امرئ القيس وأن يقول لنا متى كان الشعر في قريش؟ وكيف مثل ... الشعر الإسلامي الحياة الدينية الإسلامية في شعر جرير والفرزدق والبحتري والمتنبي. وهذه المطالبة العلمية والمقارنة التاريخية الدقيقة تبين اعتماد المؤلف على القول المجرد والظن المطلق دون مطابقة الواقع والحقيقة.
وردًا على تمثيل القرآن للحياة الدينية للجاهلية، وضح الرافعي أن القرآن حين وصفها إنما كان يقارع أديانًا، فهو يذكرها ويصفها ويحتج عليها، فماذا يقارع الشعر الجاهلي ليذكر الأديان والشعور الديني القوي [2] . وهذا الاستفهام الإنكاري يقصد به تبرير عدم ورود أمور الحياة الدينية في الشعر الجاهلي على الأقل بالشكل الذي ورد في القرآن. بالنظر إلى طبيعة الشعراء أنفسهم.
أما الخضر حسين فقد رد على هذه شبهة بالنظر إلى طبيعة من روى هذا الشعر ونقله، فرجع - كعادته - إلى ماكتبه كل من"جرجي زيدان"في"تاريخ آداب اللغة العربية"و"أدور براونلش"في رده على"مرجليوث"، ولخص رأيهما في أن معظم شعر العرب كان في الفخر والحماسة، وأن المسلمين صرفوا عنايتهم عن رواية الشعر الذي يمثل دينًا غير الإسلام، ولا سيما دين اللات والعزى. إذن فأسباب عدم ورود الدين في الشعر عديدة إذا ما جمعنا رأي الرافعي إلى رأي الخضر، ولكن الخضر أضاف أنه على الرغم من هذا كله
(1) ـ 19.
(2) ـ 158.