فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 341

يرجح ذلك تنبيه الغمراوي على أن المؤلف لم يأت بشيء يدل على وجود قصاص كالذين يزعم ممن كانوا يضعون الأخبار ويلهون بها الناس، وإنما هذا شيء افترضه وتوهمه لأنه يعينه على تفسير فرضه.

ثم طرح الغمراوي كعادته مجموعة من الأسئلة الثمينة يوضح يها الطريقة العلمية لدرس هذا الفن، حيث كان الأولى أن ينظر في القصص نظرًا مستقلًا عن فرضه الذي يريد تفسيره فيحصي ما استطاع من الحوادث والوقائع التي يعثر على أخبارها، ثم يجتهد في أن ينقد هذا الذي عثر عليه ويستنتج مما يبقى في يديه صورة قريبة لما كان عليه القصص والقصاص في العهد الذي وقعت فيه تلك الحوادث. لكن المؤلف لم يأت بحادثة واحدة تبين وجود القصص فضلًا عن نوعها ونوع القصاص. فهل كان هناك في ذلك العهد قصاص بالمعنى الذي أراد؟ وإذا كان هناك قصاص فمن أين جاءوا؟ وهل كانوا مبتدعين أم متبعين أثر قصاص قبلهم في الجاهلية؟ وكيف كانوا يعيشون وأين كانوا يقصون وماذا يقصون؟ ومن هم الذين اشتهروا منهم وما أسباب شهرتهم؟ من الضروري تبيان بعض هذا على الأقل بالأدلة الواضحة قبل أن يجوز التفكير في القول بأن تاريخ أولئك القصاص كان قصصًا خياليًا اخترعه قصاص كانوا آلة في يد القبائل يتوسلون بهم إلى مختلف الأغراض [1] .

عاشرًا: أيام العرب:

زعم الدكتور طه حسين أن الرواة أشد انخداعًا حين يتصل الأمر بالبادية اتصالًا شديدًا، وذلك في الأخبار التي يسمونها أيام العرب. فهم سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب، ثم رأوها تقص مفصلة مطولة فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جد، وفسروه وفسروا به الشعر واستخلصوا منه تاريخ العرب. وليست هذه الأخبار إلا المظهر القصصي لهذه الحياة العربية القديمة ذكره العرب بعد أن استقروا في الأمصار فزادوا فيه ونموه وزينوه بالشعر. فحرب البسوس وحرب داحس والغبراء وحرب الفساد وهذه الأيام الكثيرة التي وضعت فيها الكتب

(1) ـ 254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت