ونظم فيها الشعر ليست في حقيقة الأمر - إن استقامت نظريته - إلا توسيعًا وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدثون بها أيام الإسلام، وكل ما ترى من أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من الشعر خليق أن يكون موضوعًا، والكثرة المطلقة منه موضوعة من غير شك [1] .
يرد الرافعي ساخرًا من هذا الكلام، مبينًا أنه لم ير في كتاب الدكتور طه حسين كلمة تدل على العقل إلا قوله في هذه العبارة:"إن استقامت نظريتنا". غير أنه لم يتجاوز العقل بعشرة أسطر حتى هاج به داؤه واعترته النوبة. ثم تساءل الرافعي: كم يومًا من أيام العرب تعرف أيها الشيخ؟ وفي كم كتاب هي؟ وكم ديوانًا وضع فيها من الشعر؟ وما هي؟ وأين هي؟ وما الذي وقفت عليه منها حتى تقطع على كل ذلك بأنه عمل القصاص، وأنه زيادة وتوسعة في الأساطير؟ فأول ما اعتمد عليه الرافعي الأسئلة التي يقتضيها منهج البحث العلمي الذي يستند إلى الإحصاءات والمراجعات الدقيقة [2]
ثم أصدر ثانيًا حكمًا مبنيًا على المعرفة الأدبية والتاريخية لأخبار هذه الأيام، فلو لم يصح شيء من كل ماروي عن العرب لصحت أخبار هذه الأيام وحدها؛ لأن فيها نعيمهم ومصائبهم، ومنها حياتهم وموتهم، ولها محامدهم ومثالبهم. ولم توضع قصيدة واحدة لا صدقًا ولا كذبا في وصف هذه الأيام وما جرى فيها، وإنما كانوا يذكرونها في الفخر والمهاجاة ويشيرون إلى مواضع الذم والمدح فيها، وبهذا استطاع العلماء أن يستخرجوا أسماء هذه الأيام ويستشهدوا على بعض ما كان فيها من شعر النقائض. وكل ما يعرف عن أيام العرب ثلاثة أنواع: أيام قديمة وهي قليلة وأخبارها موجزة كيوم خزاز، وأيام وقعت بعد الإسلام، ومنها أيام جاهلية وهي المادة العظمى بين هذين الطرفين الدقيقين، أبعدها لا يتجاوز مائة سنة، وهي رواية جيلين يلقيها الأب إلى ابنه والجد إلى حفيده، وما يعرف منها لا يوفي سبعين يومًا، وقد نصوا على أن كبارها ثلاثة: يوم شعب
(1) ـ 104.
(2) ـ إبراهيم عوض / 112.