جبلة وكان قبل الإسلام بسبع وخمسين سنة، ويوم ذي قار وقد شهده النبي صلى الله عليه وسلم، ويوم كلاب ربيعة.
وبعد هذا السرد التاريخي للأدلة استخدم الرافعي المنطقية في استنباط النتيجة التي تنفي التكثر والكذب في تلك الأيام. فلو كانت هذه الأيام أساطير وأقاصيص لجعلوا هذه الثلاثة في حد الثلاثين ما داموا يريدون أن يتكثروا ويكذبوا في تعظيم العرب [1] .
أما وجدي فقد وافق الدكتور طه حسين في أن أكثر ما ورد في هذا الباب موضوع ومبالغ فيه. وكل من اتفق له مطالعة ما جاء من هذا كله في كتب الأدب، وكان له دربة في النقد، وذوق في تقدير الحوادث، يدرك لأول وهلة أنه مختلق مكذوب، أو بعيد عن حقيقته بما حُمِّل من التمويهات والتلفيقات، وما أحيط به من المبالغات والتهويلات [2] .
ونرجح أن وجدي اطلع على مثل هذه الأيام، فهو لم ينطق بهذا الحكم من غير اطلاع، الأمر الذي اتهم به الرافعي الدكتور طه حسين، ولكن إلى أي مدى يصدق حكم وجدي النقدي عليها؟ وكيف يدرك القارئ الناقد لأول وهلة كذب هذه الأحداث؟ خصوصًا حينما نقرأ حكم الغمراوي عليها، إذ رأى أن أيام العرب كانت من الشهرة ومن الواقع ومن القرب بحيث لا يعقل أنها نسيت. أما القول بأنها اخترعت اختراعًا فإنه لا يقوله كاتب يحترم نفسه، إذ القول بتلفيق تلك الأخبار يذهب بقيمة الشعر العربي الأول، ويجعله طلاسم لا يهتم بها ولا يفهمها أحد [3] .
فياللعجب كم يخالف هذا رأي وجدي، ويجعله ضمن الكاتب الذي لا يحترم نفسه. ثم إن ذهاب قيمة الشعر العربي الأول هو ما يرمي إليه الدكتور
(1) ـ 381.
(2) ـ 142.
(3) ـ 249.