فهرس الكتاب
حي يسمع لا يُذكر بشيء؟ فهذه التساؤلات تقود الذهن منطقيًا إلى نفي هذا الأثر. ثم أضاف نظرة عامة للقضية لم ينتبه إليها غيره هي أن قاعدة الشك في كل شعر جاهلي من شأنه مجاراة العصبية هي قاعدة تضيع جميع الشعر الجاهلي لأنه كله أو معظمه نتاج العصبية. فهي قاعدة تعوق النقد ولا تنفعه؛ لأنها تعين على تضييع الصحيح من الشعر، من غير أن تعين على تعيين المنحول. فالغمراوي هنا يثبت وجود العصبية، ولا ينفيها كوجدي وجمعة. ثم أخذ - وكأنه قد سلّم بوجودها على الوجه الذي ذُكر - يبين الآثار المنطقية للعصبية والتي تعاكس ماقاله المؤلف: فهي أجدر على أن تعمل على صيانة ما كان قد بقي من الشعر الجاهلي، وهي إلى حمل الشعراء المجيدين على الانتحال والسطو أقرب منها إلى حملهم على النحلة والوضع. أما غير المجيدين فأمرهم يسير إن كذبوا على الفحول، فإن كذبوا على أمثالهم فالخطب في هذا أيضًا يسير [1] .
ذكر الدكتور طه حسين أن من ألوان الشعر المنتحل مما يُحمل على الأسباب الدينية ما أضيف إلى الجاهليين من عرب الجن. وفي القرآن سورة تسمى سورة الجن أنبأت بأن الجن استمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو القرآن، فلانت قلوبهم وآمنوا. فلم يكد القصاص والرواة يقرءون هذه السورة وما يشبهها من الآيات حتى ذهبوا في تأويلها كل مذهب واستغلوها وأنطقوا الجن بضروب من الشعر وفنون السجع. وأعجب من هذا أن السياسة نفسها قد اتخذت من الجن أداة، ومن ذلك حديث مقتل سعد بن عبادة فقد قالوا إن الجن قتلته، ورووا شعرًا قالته الجن تفتخر فيه بقتله، وكذلك رثت الجن عمر بن الخطاب،
(1) ـ 229، وما بعدها.