فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 341

والمدينة وغيرها من الأمصار يظهرنا على الصلات التي كانت تصل بين هؤلاء القصاص وبين الأحزاب السياسية [1] .

ردًا على هذا الكلام ضرب الخضري مثلًا بالحسن البصري الذي دلنا تاريخه على أنه كان بعيدًا عن جميع الأحزاب السياسية التي تداولت الملك لعهده. وكانوا جميعًا مع كرههم له يجلون قدره؛ لأنه لم يجعل في علمه حظًا لغير الله. ولم تكن علاقته طيبة إلا بعمر بن عبد العزيز، ولم يكن يأبه لغيره، حتى لقد قطعوا رزقه من بيت المال فما حفل بهم. ولو تعمقنا وجدنًا كثيرًا من أمثاله. على أننا لا ننكر أن من هؤلاء القصاص من ضعفت أنفسهم فجعلوا من قصصهم عونًا للدولة، ولكن النقاد لم يكونوا غافلين، وأولئك أعجز من أن يخدعوا عالم الآداب العربية [2] . فهمّ الخضري في رده كان منصرفًا إلى التقليل من خطر زعم المؤلف، وهي وسيلة من وسائل فضح مبالغاته الشعرية التي يريد دس الدسائس بها.

إلا أنه قد قيل إن فن القصص محدث أحدثه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وهذا يعني أن الدولة أولت القصص وأصحابه حمايتها، فازداد القصاص تبعًا لرغبة الدولة بالرغم من الإنكار الشديد الذي أعلنه بعض الصحابة. ورأى خلفاء معاوية ما رآه فأولوا القصص حماية الدولة وحاول بعض الخلفاء منهم إغراء الصلحاء من الناس بالدعاء لهم علنًا في المسجد حتى بلغ الأمر أن لا يكون في مسجد البصرة إلا حلقة واحدة في الفقه، وسائر المسجد قصاص [3] .

فمسألة التبعيض عند الخضري في (من هؤلاء القصاص) ومحاولة التكثر في (لو تعمقنا وجدنا) ليست من الموضوعية في شيء. ومع ذلك فكون الدولة قد أولت القصاص حمايتها واستكثرت منهم ليس - في ظني - يدل بالضرورة على أنها كانت تعينهم على اختلاق الأخبار في الجاهلية، بل إن الأقرب للتصديق هو محاولة صرف الناس بهم عن أمور السياسة.

(1) ـ 93.

(2) ـ 53.

(3) ـ قاسم السامرائي / 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت