فهرس الكتاب
وصلت إلينا بقية من الشعر الذي يحمل شيئًا من الروح الديني، تجده في كتاب الأصنام لابن الكلبي وغيره [1] .
ووافق وجدي الخضر حسين في مسألة كون الرواة تحروا في حفظ الشعر الجاهلي ما لا يصادم الإسلام. ثم انطلق للرد على مسألة أخرى ... - كانت في الحقيقة مسيطرة على ذهنه، لتحبك في النهاية نظرية معينة مع غيرها من الجزئيات التي أشرنا إليها سابقًا فيما يتعلق بنظرته إلى قريش ومكانتها بين القبائل دينيًا واقتصاديًا وشرفًا ونسبًا - وهي أن العرب ليسوا أمة قوية في دينها كما زعم الدكتور طه حسين، بل كانت وثنيتهم ساذجة مبهمة قليلة السلطان على عقولهم، لم تدفعهم إلى أي صناعة من الصناعات، وليس لهم هيئة كهنوتية ولا أساطير دينية ولا معابد محلية ولا كتاب يرجع إليه، ولولا مجموعة من أصنام حول الكعبة يحجون إليها كل عام لعدّوا مجردين من العاطفة الدينية. حتى لما اعتزم أبرهة هدم الكعبة كل ما عمله العرب لدرء الخطر عن البيت الذي يحترمونه أن لزمت كل قبيلة مكانها ماضية في شأنها من الإغارة والسلب والنهب والسبي وتركت جيش أبرهة يخترق صحاريها آمناًََ مطمئنًا. وفرت قريش من وجهه معتصمة بالجبال. فصد المشركين عن الدين الإسلامي ورفضه راجع ليس لقوة عاطفتهم الدينية؛ بل لعوامل منها: ضعف العاطفة الدينية. فلم يكونوا على أمر جامع من عقائدهم فلا عجب أن يلاقي كل دين جديد من تلكؤهم في القبول ما لاقى الإسلام. وإفراطهم في الفخر بآبائهم، فيصعب عليهم أن يسجلوا عليهم أنهم كانوا في ضلال مبين. وجمودهم على ما كانوا عليه بلا تعقل ولا روية. ومجيء الدين عن طريق محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ولم يكن من الموسرين ولا من زعمائهم المتصدرين [2] .
والذي يغلب عليه الظن أن هذه الفقرة هي أقرب مفردات نظرية وجدي إلى الصواب. إذ استنبط من الوقائع التاريخية صورة منطقية لدينهم، لا تتعارض مع دليل أو نص كما فعل سابقًا مع مكانة قريش وشرف نسبها.
(1) ـ 48.
(2) ـ 34 وما بعدها.