يستسهل الدكتور طه حسين إلقاء هذا القول بمجازفة المستخف [1] . غير أن الدكتور طه حسين كان يهدف من هذا أساسًا إلى إحداث ثورة أدبية، فقبول ما قال القدماء في الأدب وتاريخه يغلق باب الاجتهاد [2] .
وقد رأى الغمراوي أنه لا يعتد بهذا في الشك؛ فليس من المنطقي أن يضع الباحث المناطق المعروفة من العلم موضع الشك إذا ضاقت عليه سبل البحث فيه فيفسح المجال لنفسه يرتع فيه حيث شاء، فهو يهدم تاريخ الأدب ليجد لنفسه مبحثًا تحت أنقاضه [3] . لا يجوز في تاريخ ولا علم أن نحكم دون أن نقوم بالاستقراء [4] . من أجل ذلك كان منهج ديكارت كما فهمه وطبقه الدكتور طه حسين منهجًا غير علمي يفرق بين الجهود في العلم، ويؤدي في النهاية إلى زواله. لكن العلم لا يؤخذ به - أي بهذا المنهج -، والعلماء في أبحاثهم وعلومهم يأخذون بضده. فليس فيهم من إذا أراد أن يقوم ببحث أهمل ما قام به غيره من الأبحاث المتعلقة بالموضوع. ذلك يعلمه كل طالب تعدى في العلم دور البداية كما يعلمه عن تجربة كل من كان له في البحث العلمي أدنى نصيب [5] . وواضح من هذا أن الغمراوي كان يبين العلل العلمية التي من أجلها فرضت الشروط والقيود التي ذكرها الآخرون لمذهب ديكارت.
إذن فالدكتور طه حسين قد أعجب بالمنهج التاريخي وبنتائجه العلمية في الآداب الأوروبية فدعا إلى تطبيقه في دراسة الأدب العربي والتأريخ له، وحاول تطبيقه إلى حد ما في كتابه"في الشعر الجاهلي"إلا أنه لم يلتزم فيه كثيرًا بأسس المنهج ودقته العلمية. قد يحسن به البعض الظن ويقول ربما كان هذا عائدًا إلى ظروفه الشخصية التي لم تكن تساعده بسبب عاهته على استعمال
(1) ـ 27.
(2) ـ الغمراوي / 103.
(3) ـ 106.
(4) ـ 126.
(5) ـ 114.