فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 341

الإسلامي، وجب أن توجد في الشعر الجاهلي شخصية صانعيه على الأقل لأنه وضع بعد الإسلام، فلم تقله الحجارة وإنما قاله شعراء علماء يضعون الجيد ويحسنون حوكه وصنعته، وإن غفلوا عن مسألة الوحدة والشخصية فيما يقلدونه فأين تذهب شخصيتهم هم [1] ؟

ويبدو أن المؤلف لم يفهم معنى الشخصية، لذلك راح الرافعي يتتبع تعريفات الشخصية عند الدكتور ليبين عدم فهمه لها. واختلف الرافعي معه في تحديد الشخصية الأدبية فهو لا يراها - مثله - في الجزالة والفخامة أو الرقة والسهولة، إذ أن هذه تتبع الفن الذي يعالجه الشاعر، والشاعر لا يلزم في ذلك نمطًا واحدًا بعينه إلا إذا لزم فنًا واحدًا في المعنى كالغزل مثلًا؛ كما أن الشخصية في الشعر العربي ليست هي العاطفة والنزعة والفكرة الفلسفية، وإنما هي شخصية أحزاب وجماعات لا أفراد، فجماعة يلزمون طريق الجزالة والقوة، وآخرون يؤثرون الرقة والسهولة، وجميعهم يقلد بعضهم بعضًا، فيتفق شعرهم في الطريقة على اختلافهم وتعدد أشخاصهم، ومثلهم في ذلك شعراء الصنعة البيانية وعمود الشعر، وشعراء الشيعة، وشعراء الفلسفة والحكم والأمثال [2] . وواضح من هذه المناقشة مدى الفهم الدقيق الذي تحلى به الرافعي لهذه المسائل الأدبية.

وبينما اكتفى الرافعي بتعليل اختلاف الألفاظ والترتيب، عكس الخضري هذا الدليل على المؤلف حين بين أن المستشرقين اتخذوا من اختلاف ترتيب أبيات وكلمات الشعر الجاهلي دليلًا على صحة الشعر العربي كافة. فالمستشرقون كانوا أحكم من المؤلف؛ لأنهم قامت لهم شبهة رأوها في الشعر الإسلامي كما رأوها في الشعر الجاهلي فعمموا الشعر كله بما وصفوه به، وقد اتخذ هو مقامًا مترددًا يفرق بين الشعرين. ولم يدرك أنه أقام البرهان على نفسه، لأن الشعر الجاهلي إن كان منتحلًا فما الذي كان يدعوهم أن يصطنعوه مضطربًا بلا وحدة ولا شخصية، أما كان من المعقول والقريب من النفس أن

(1) ـ 341.

(2) ـ الرافعي / 337 وما بعدها. تلخيص عز الدين الأمين / 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت