فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 341

استطاع الشعر , وهو مقيد بما تعلم من القيود , أن يستقيم لها؟ ستقول: ولكن اختلاف اللهجات كان قائمًا بعد القرآن , فكما استقامت بحور الشعر وأوزانه على هذا الاختلاف بعد الإسلام , فليس ما يمنع أن تكون قد استقامت عليه في العصر الجاهلي. ولكني أظن أنك تنسى أمرًا يحسن أن لا تنساه , وهو أن القبائل بعد الإسلام قد اتخذت للأدب لغة غير لغتها , وتقيدت بقيود لم تكن لتتقيد بها لو كتبت أو شعرت في لغتها الخاصة , أي أن الإسلام قد فرض على العرب جميعًا لغة عامة واحدة هي لغة قريش التي سادت قبيل الإسلام حين عظم شأن قريش سيادة لم تكن شيئًا يذكر ولم تكد تتجاوز الحجاز [1] .

ويشتمل كلام الدكتور طه حسين على ثلاثة محاور، وهي وجود اللغة الأدبية، وفرض الإسلام لها، وكونها سادت قبيل الإسلام بالتالي ليست شيئًا يذكر. وتناول النقاد لهذه المحاور تفاوت بين استيعابها أو التركيز على شيء منها.

فقد تحدث الرافعي عن اللغة الأدبية التي أثبتها الدكتور طه حسين في كلامه للقرآن والتي كان ينتحلها العرب في العصر الجاهلي , فإذا كان هناك لغة ادبية للعرب فكيف ينكر على الشعر الجاهلي أن يكون متفق اللهجة , وكيف يتناقض هذه المناقضة المكشوفة؟ فالتناقض هنا بين إثبات اللغة الأدبية وإنكار اتفاق اللهجات، وكأن قد نسي الرافعي في ذلك أنه قال إنها سادت قبيل الإسلام فاعتراضه نوعًا ما ضعيف.

ثم عقب الرافعي بكلام غريب، فاللغة الأدبية عنده وهم سخيف؛ لأنها لاتنشأ ولا تستقيم إلا إذا كانت مكتوبة مدونة متدارسة , فهل يستطيع أن يأتينا بدليل أو شبه دليل على أن القبائل في العصر الجاهلي أو بعد الإسلام كانت تكتب وتدرس في باديتها باللغة الأدبية التي يزعمها. وكيف غاب عنه أن العربي القح السليم الفطرة لم يكن يستطيع أن يقيم لسانه إلا بلحن واحد ولهجة واحدة بدليل قصة اختلاف سيبويه والكسائي في مسألة"ظننت أن العقرب أشد"

(1) ـ 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت