فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 341

زعم الدكتور طه حسين أن الأدب العربي درس في العصور الإسلامية من حيث هو وسيلة إلى تفسير القرآن وتأويله، واستنباط الأحكام منه ومن الحديث. وكان هذا كله أدنى إلى الجد وألصق به من القصص الذي كان يمضي مع الخيال حيث أراد، ويتقرب من نفس الشعب ويمثل له أهواءه ومثله العليا، فليس من الغريب أن ينصرف عنه أصحاب الجد من المسلمين [1] .

ردًا على هذا الكلام وضح الرافعي أن معنى هذا الكلام أنه لم يشتغل بالقصص إلا أصحاب الهزل والرقاعة. ونفيًا لهذا الزعم فقد اتبع طريقة الاستدلال التاريخي، فقرر أنه لم يكن يقص في أولية هذا الفن الإسلامي إلا أصحاب الجد من المسلمين وبه عرفوا وبهم نشأ وبفصاحتهم نبغ. وهذا الحسن البصري كان أشهر قاص في زمانه، وهو من سادات التابعين، وقد قالوا إنه جمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة. ولكن أستاذ الجامعة يخلط في معنى القصص والقاص لأنه يريد بعد هذه العبارة التي كتبها أن يقحم"اسكندر دوماس"أكبر المزورين المنتحلين في التاريخ الإسلامي ويشبه به علماءنا، فيجعل القصص روايات وخيالات. وهكذا نبه الرافعي على أن نية المؤلف المبيتة كانت تتحكم في أقواله وتسوقها إلى هذا الخلط.

وتأكيدًا لما رآه وضح الرافعي أن القاص لا يسمى قاصًا إلا إذا كان يقص للتعليم والوعظ، وأساس هذا الفن كان تحريض المؤمنين على الجهاد والترغيب فيما عند الله، وكان مرجع القاص إلى التفسير والحديث والحكمة. وما نشأت أهواء الشعب في القصص إلا بعد أن تعاطاه الجهال من غير أهله، وهؤلاء يعرفهم العلماء ويعدون قصصهم بدعة ويحذرون منهم [2] .

أما قصر الرافعي إطلاق اسم القاص على المعلم والواعظ فصحيح في أولية هذا الأمر، فالواعظ والقاص والمذكر والمحذر معانيها واحدة وإن تعددت ألفاظها، ومدار الاختلاف في المعنى يدور على حسن نية الرجل وسلامة قصده أو خبثه. فكل السلف الأول كانوا وعاظًا وقصاصًا ومذكرين. أما فيما بعد فإن

(1) ـ 92.

(2) ـ 243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت