استحسن أسلوبًا من أساليب امرئ القيس في النسيب واستنفذ فيه جانبًا فليس معنى هذا أنه اخترع الطريقة ولا احتكر الفن، وفي تدقيق تاريخي بيّن أن من الثابت أنه لم يوضع شيء على الجاهلية بعد القرن الرابع، فلو عملوا على طريقة ابن أبي ربيعة ونحلوه امرأ القيس لما فات هذا مثل صاحب الأغاني، ولجعله كل الفخر لابن أبي ربيعة؛ والمعلقة كانت مدونة مروية في أوائل القرن الثاني.
ثم أطلق الرافعي حكمًا نقديًا على شعر ابن أبي ربيعة بالبرود والسماجة وأنه ليس بفن، بل خلق سافل وطبع غوي ونفس عاهرة، وقد فشل في مدح الرجال وهجوهم، وارتفع في هجو النساء ولا أسير في الأفواه من أخبار النساء وأحاديثهن. وطريقته في شعره إنما تحسن حين تتفق في الأبيات القليلة والقصيدة المفردة وحين تجيء تظرفًا وتماجنًا وحين تخرج مخرج النادرة أو تبعث عليها الفتوة وميعة الشباب في الحب الشديد كما فعل امرؤ القيس، أما أن يكون أكثر شعره فيها فهذا ما لا يراه فنًا، وحُكْمُ الرافعي على شعر عمر يعتمد على الاستنباط من التاريخ الأدبي إضافة إلى الذوق الشخصي. ثم راح يضرب الأمثلة على أصل مقرر في الأدب العربي، وهو أن فحول الشعراء يسبقون إلى ابتداع المعاني والأساليب فيتبعهم من بعدهم؛ فليس ابن أبي ربيعة بدعًا في هذا [1] ؟
أما رد الخضري فكان بتساؤلات منطقية، فقد تساءل: هل يجب أن يكون الفرزدق مبتدعًا للغرض الذي عرف به؟ وهل هو من الرواة الذين يسرهم أن ينسب ما يقولون إلى غيرهم؟ كلا! بل كان المعروف عنه أنه يقتنص شعر الشعراء ممن سبقوه فيجعله في شعره وينسبه إلى نفسه. تأمل توظيفه للدليل التاريخي لينفي بشكل قريب إلى القطعية نسبة الأبيات إلى الفرزدق.
أما بالنسبة لوصف امرئ القيس لخليلته وما دار بينهما فإن كان يشبه مناحي عمر بن أبي ربيعة فليس من البعيد أن يتفق شاعران في فن شعري حتى من غير أن يقرأ أحدهما عن الآخر. ولا يمكن أن أحكم لشخص بابتكار فن إلا
(1) ـ 298، وما بعدها.