وقد كان رد الخضر حسين أكثر تفصيلًا، فراح ينفي بطريقة تاريخية عقلية تعتمد على الفرض والاستبعاد كون الفرصة قد أتيحت للنبي صلى الله عليه وسلم ليتعلم القراءة ويدرس التوراة والأنجيل، لا في سفره للتجارة، ولا في مكة بين ظهراني قومه، ولا في خلوته في غار حراء، ولا بنسخة وقعت إليه من التوراة أو الإنجيل لأنهما لم يكونا قد خرجا إلى لسان العرب بعد. ولا بتعلمها بعد البعثة ممن أسلم من أهلها فمن الباطل بداهة أن يأخذها عنهم ثم يأتي بها في القرآن على أنها وحي يوحى.
ثم انتقل إلى موضوع النهي، فبين أن الحديث الصحيح جاء بسماع النبي صلى الله عليه وسلم شعر أمية واستحسانه له واستزادته منه. ولو صح خبر النهي عن رواية شعره لكان مقصورًا على قصيدة رثاء قتلى قريش في بدر. وهنا اعتمد الرد على الاستدلال وربط القضية بالدين. وهي وإن كانت كذلك فلا نجد فيها تلك الشحنة الانفعالية بل استخدم الدليل الديني علميًا.
وفي لفتة نقدية اتجه إلى شعر أمية بن أبي الصلت ووجه المؤلف إلى الطريقة الصحيحة للتعامل معه، فليس من أدب البحث التسرع إلى الحكم بانتحال شعره لمجرد ما فيه من التحنف، وإنما ينظر فيه خاليًا من هذا المعنى فإن لم يوجد فيه ما يطعن في نسبته إليه عن طريق اللفظ أو المعنى أو الرواية أثبتناه في ديوانه [1] .
وبين جمعة بعد تفصيل في رأي"هوار"أن المؤلف هاجت في نفسه نتيجة إثبات هوار لشعر جاهلي صحيح، لأن رأي هوار في نظر القراء والطلاب والمتأدبين والنقاد أعظم وأقوى وأرجح من رأيه فخالفه. ولا يمكن أن يكون مؤرخان في الأدب العربي على طرفي نقيض، قد يقبل من أحدهما ميل قليل في جزء من النظرية دون جزء لكن الخلاف المطلق لم يسمع به بين العلماء في مسألة واحدة. وقد كانت هذه ملاحظة نفسية جيدة، عللها تعليلًا منطقيًا، وأطلق عليها حكمًا علميًا موضوعيًا. وكاد يقف عند هذا الحد لولا أن هاجت به عاطفته الدينية ولم
(1) ـ 216، وما بعدها.