ونستطيع أن نرى الهلهلة في شعر غيره من شعراء العصر الجاهلي، فكلهم مهلهل إذًا. فمن الذي هلهل الشعر [1] ؟
وقد حلل الخضري الواقعة تحليلًا تاريخيًا منطقيًا، معتمدًا على الأدلة النقلية، فلم ينكر أحد قديم ربيعة، إذ ليست ربيعة في حاجة أن تتخيل وقائع لرجل تريد أن تتجمل به فتجعل خاتمته أسوء الخواتيم من الذلة والمهانة في أعين من كان ينزل بجوارهم و يحتمي بهم. ولو كان الحديث من كُذّاب وُضّاع يريدون مجدًا وسيادة لكان هناك ما يدعو الكاذبين إلى ذكر خاتمة تعطي صاحبها وقومه مجدًا وسيادة.
وانتقل الخضري بعد ذلك لبيان فساد الزعم علميًا بالإشارة إلى انعدام الأدلة والتحريف، فقد رأى النقاد القدماء شيئًا من الغلو في شعر مهلهل، ولم يكن ذلك مألوفًا عند العرب الأولين، فحكموا على الرجل بأنه يتكثر. والمؤلف يرى أنه لم يتكثر هو، فإلام استند في هذا النفي كله؟ لا إلى شيء إلا إرادته. وابن سلام الذي ينقل عنه المؤلف يرى أن في شعر مهلهل اضطرابًا واختلافًا، فجعلهما الشيخ اختلاطًا، وهناك فرق بين هذا وذاك. والخضري يسلم بأن في شعر مهلهل اضطرابًا، ويمنع أن يكون مثله في شعر الشعراء في عهده أو بعده في الجاهلية، فلم يشعر أهل الأدب فيه بما رأوا في شعر مهلهل، فهو ادعاء من المؤلف يرده عليه من ذاق طعم الشعر. من أثبت أن من أعراض القدم عدم استقامة الوزن وعدم اطراد القافية وعدم ملاءمة قواعد النحو وأساليب النظم والشذوذ؟ هل عنده شيء من الشعر القديم فيه هذه الأعراض حتى يدهش الناس إذا رأوا شعر مهلهل خاليًا منها؟ وإن كان كذلك فليأت به لنكون معه في دهشته، وإلا فمثل هذا الكلام فضول من القول لا يؤدي إلى نتيجة [2] . وهذا الرد من الخضري يمزج بين المنطق التاريخي والعلم والمعرفة الأدبية.
وقد دخل الخضر حسين للقضية من باب تناقضها مع حديث المؤلف، فإن كان يعلم أن الرواة أظهروا شكًا في القصة أفلا يكف عن غلوه في أنهم
(1) ـ 158.
(2) ـ 80.