يقبلون كل ما يروى من أيام العرب على أنه جد من الأمر؟ واستدل الخضر على ذلك بأن قد ساقها صاحب الأغاني في كتابه وذكر بعد اسم الراوي كلمة يزعم ويزعمون، ويوجد مع هذا نقد صريح وإنكار لبعض ما جاء في القصة، فلا يليق أن يباهي المؤلف بنظريته فقد سبقه إليها جرجي زيدان. وفي هذا تنبيه مألوف منه على عدم الأسبقية.
ثم خاض الخضر في الناحية التاريخية الأدبية النقدية من القصة، فمهلهل ليس مأخوذًا من الهلهلة وهي الاضطراب بل من الهلهلة وهي رقة نسج الثوب، ويقولون سمي مهلهلًا لأنه أول من رقق الشعر وتجنب الكلام الغريب الوحشي. وقد نظر النقاد إلى شعر مهلهل ولم يقبلوه مطويًا على ما فيه من مصنوع، واستشهد كعادته بنماذج من نقدهم هذا. فهم لم يعرفوا إنشاء الكلام الموزون بداية، ولم يتفقوا على شاعر أنه أقدم من نظم قصيدة، بل عترفوا بأن الشعر أقدم من مهلهل بقرون وكان الذي ادعي له إنما هو إطالة الشعر، وبالتالي لم يوجد موقع للدهش من استقامة وزن شعره واطراد قافيته وملائمته لقواعد النحو وأساليب النظم، بل الدهش أن ينكر ذلك من شاعر عربي قح. ولم يصف المؤلف أعراض الشعر لعهد إطالته حتى ننظر إلى هذه القصيدة كيف لم تقم بها هذه الأعراض [1] . ملاحظ الرجوع للمراجع، والتنبيه على الافتقار إلى الأدلة وعدم الإحاطة.
أما جمعة فقد نظر إلى الموضوع نظرته العامة التأصيلية، فراح يثبت أن الشعر قديم بأن ارتقاء بلاغة الشعر متقدم على ارتقاء بلاغة النثر لملازمة الأفكار الشعرية للفطرة البشرية. وبيئة العرب تهيج السليقة الشعرية حتى في الأفئدة الخاملة. والشاعر الذي نظم هذا الشعر على ظهر راحلته ليتلهى به عن ما أصابه من نصب أو دوار أحس أنه كلما سارع في الإنشاد رفعت الناقة رأسها ووسعت خطاها، كأن بين خطاها وأوزان الشعر ارتباطًا، فظهرت تلك الضروب عفوًا، ولم يخطر بباله أن ستكون لألفاظه قوانين تقيدها. وعذره في جهل الأوزان أن شعره - وهو صوت النفس - أمر فوق الأنغام ووراء الأنظمة لا تحده
(1) ـ 329.