والقلب والشعور [1] ؟ لقد بدأ ديكارت طريقته بالشك حقًا، لكنه استثنى من حالة الشك كبرى مسائل الغيبيات والحقائق الخاصة بالعقيدة فلم يطبق عليها هذه الطريقة [2] . وفي هذا الكلام نظر.
إذ أن ديكارت لم يبدأ بالتسليم بوجود الله، والإقرار بخلود النفس، وما يتعلق بالحقيقة الأولى التي لا سبيل إلى الشك فيها، إلى غير ذلك من الأمور العقائدية، فقد قام بمراجعة جذرية لكل اليقينيات السائدة وشك في كل ما ... تلقاه، فما صمد أمام الشك يمكن اعتماده على أنه المنطلق الحقيقي للمعرفة. وكان اليقين الأول عنده: أنا أفكر إذن أنا موجود. وانطلاقًا من هذه الحقيقة الأولى أثبت وجود الله [3] . وديكارت كان يقصد باستثنائه للدين وأصول العادات من الشك دينه وعادات بلاده هو. وقد فعل ذلك بصفة مؤقتة حتى يصل إلى بر اليقين الذي سيغنيه حينئذ عن هذا الدين وعن هذه العادات. فَرَدُّ النقاد إن لم يصدق في هذه الجزئية على فكر ديكارت النظري، فإنه مع ذلك صحيح بالنسبة إلى ما استقر عليه فيما بعد، أي بعدما أثبت وجود الله بالتأمل والبرهان العقليين. كما أنه لا ينبغي أن يخشى على الإسلام من البحث والشك، فهو دين العقل والمنطق، والقرآن لم يطلب أبدًا التسليم بوجود الله أو بصدق الرسالة تسليمًا أعمى، بل بالاقتناع الحر [4] .
وقد قالها الغمراوي صراحة: التدين والعلم لا يتنافيان، فالدين الإسلامي حق، والعلم قائم على قاعدة استحالة التنافي بين أجزاء الحق، فلا يُخشى أبدًا أن يكشف البحث الصحيح عن حقيقة تنافي الدين [5] .
(1) ـ 28.
(2) ـ 20.
(3) ـ محمد الجوة / 158.
(4) ـ إبراهيم عوض / 108.
(5) ـ 123.