مما نلاحظه أن الرد على هذه القضايا المنهجية لا يمكن أن يتم إلا عن طريق الرجوع لديكارت والمقارنة بمنهجه دون الاعتماد على الرأي إلا في حدود ضيقة جدًا. والدليل على ذلك أن ردودهم في معظم هذه القضايا كانت متشابهة لا يظهر فيها التفاوت إلا فيما يتعلق بطريقة التعبير، والتفصيل والإيجاز، ومدى الإحاطة بديكارت. وهذه الجوانب لا تظهر المقدرة النقدية للنقاد، ولا اعتمادهم للموضوعية أو الذاتية.
كل ما يمكن قوله أنه في حين لم يكن لوجدي أدنى إحاطة بديكارت إلا من طريق ذكر الدكتور طه حسين له، كان الغمراوي أشد من ركز في نقده وفي مدى التزامه بديكارت؛ فقد أشبع هذا تحقيقًا وتدقيقًا بطريقة علمية متزنة ساعده عليها تخصصه في مجال الكيمياء.
أما الأربعة الآخرون فقد توسطوا بينهما مع تميز كل منهم بميزة، فالرافعي مال إلى الإيجاز وانتهاز الفرص للنيل من الشخصية. والخضري لم يكن مهتمًا باستعراض معرفته لمذهب ديكارت بقدر اهتمامه ببيان مواضع مخالفته حيث تكون والتوجيه إلى الصواب فيها. وجدير بالذكر أن الخضري أشار إلى الغمراوي وأوصى بقراءة فصليه الخاصين بهذه المسألة ففيهما ... - على حد تعبيره - خير كثير. والخضر حسين باتزانه استوعب كل النقاط الرئيسية، وظهر في ذلك ميله للنقل، والتركيز على ما يتصل بالإسلام. وكانت إطالة جمعة استطرادًا أكثر منها تدقيقًا وتحقيقًا، إلا أنه أتحفنا فيها بمعلومات جديدة وتحليلات انفرد بها، وهذه نقطة تحسب له.