أن تبحث عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول الماجدة التي تتحدث عنها الأساطير. أمر هذه القصة إذن واضح. فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام، واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضًا. إذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألاّ يحفل بها عندما يريد أن يتعرف على أصل اللغة العربية الفصحى [1] .
وقد سمى الرافعي هذا الكلام بالوقاحة، وعدّه تأكيدًا لنوايا الدكتور طه حسين الاستعمارية؛ فإذا لم يكف النص في كتاب سماوي تدين له الأمة كلها لإثبات وجود المنصوص عليه فما بقي لتصديقه معنى، وما بقي إلا أن يكون القرآن كلامًا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. ثم اتجه إلى دحض هذه النية بتدقيق تاريخي منطقي جميل، فالدكتور طه حسين ألحق هذه القصة بالأساطير وهي الحيل التي تُشد بها المعاني الاجتماعية والسياسية والتاريخية، ويؤتى بها في الرواية على أنها نوع من الكذب الفني توصلًا إلى سبك حادثة أو تقرير معنى أو شرح عاطفة. والنصوص واردة بأن العرب لا يعدون اليهود منهم وإن كانت الدار واحدة واللغة واحدة، فما حاجتهم إلى حيلة روائية سخيفة فيكذبوا وينافقوا على حين أنهم مستيقنون أن اليهود أهل كتاب وعلم ولا يقبلون من أمة جاهلة أن تضع لهم التاريخ [2] . هنا نلاحظ أن الرافعي قد فهم عكس المراد فجعل العرب هم الذين ابتكروا هذه الحيلة، بينما أراد الدكتور طه حسين أن اليهود هم أصحابها. ربما كان هذا الخلط نتيجة لاندفاعه وحماسه الديني الواضح فيما سبق.
ولم يتناول الخضري المسألة من ناحية الغيرة الدينية بل دقق فيها تاريخيًا وعلميًا، وبين أنه لو كان مضمون الخبر مخالفًا لقضايا العقول لقضى ذلك برده أو تأويله وكان للأستاذ وجه في شكه، وهذه المسألة ليست كذلك لا في ذاتها ولا في نسبتها لإبراهيم عليه السلام. فإذا أظهر بحث علمي في اللغة الإسماعيلية أو في نفس بناء الكعبة ما لا يتفق مع خبر القرآن فيمكن أن يشك. أما وهو
(1) ـ 26 وما بعدها.
(2) ـ 153.