للدعوة ظهرًا وبطنًا، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت من عنده لا من عند الله [1] . فنرى هنا كيف توقف الرافعي عند حد فضح النية، ولم يرد بالحجة.
أما الخضر حسين - وفق طريقته في توجيه رده إلى تعبيرات الدكتور طه حسين عن أفكاره بعبارات مهيجة تحمل الكثير من الحقد على الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم إضافة إلى استعانته بالشواهد التاريخية وتحليلها منطقيًا - فقد بيّن أن الرسول صلى الله عليه وسلم وحزبه لم ينتضوا سيفًا ليظفروا بملك أو ليستأثروا بسلطة كما يحاول المؤلف أن يصور في كتابه. الحق أن الإسلام عقيدة وشريعة ونظام ولا بد لهذه الحقائق من حماية ... ولا حماية إلا بالقوة والسلطان. فمحاربة المشركين للمسلمين يومي بدر وأحد لا يقصد بها إلا ظهور الإسلام ونشر مبادئه ونفاذ أوامره. وإذا نالت أحد هؤلاء المجاهدين إمارة أو حياة ناعمة فتلك سنة الله في الذين يجاهدون فينتصرون [2] .
ولوجدي إشارة غريبة انفرد بها وهي النظر في الرد إلى قريش لا إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. فقريش عنده لم تقاتل النبي صلى الله عليه وسلم قتالًا جديًا يصح أن يستنتج منه أنه كان تناحرًا بين طائفتين لنصر دين على دين أو لضمان سلامة طريق تجارية، فلم يصدر عنها في هذه الوقائع التي حصلت بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما يؤثر عن الطوائف الموتورة في دينها ودنياها من غليان الصدور بالسخائم، واضطرام النفوس بالضغائن، وإبلاغ الحرب إلى أقصى شدتها، ولم تستنفر إلا من حولها من العرب للحرب، ولم تذكرهم بضرورة تأمين الطرق التجارية، ذلك لأنها لم تكن من العرب على ما وصفها به الدكتور طه حسين، ولم يكن لانقطاع الطرق الاقتصادية في نظرها خطر كبير يدفعها للاستماتة في الدفاع عنها [3] . وهذا ردٌ فيه ميل إلى استبعاد الأمر الذي ذكره المؤلف لانتفاء مسوغه الداعي إلى وجوده. غير أنه يخلو من المنطقية والموضوعية، فالذي لا شك فيه تاريخيًا أن قريشًا كان لها التقدم
(1) ـ 217.
(2) ـ 145.
(3) ـ 90.