فهرس الكتاب
المطولات قد تمر على كثير من اللهجات لا تشعر بأنها أصبحت بفضل هذه اللغة سائرة في شعر كل القبائل، ومن آثار هذه اللغة الأدبية المترادفات، والمشترك اللفظي، وهيئات النطق المتعددة، وقد تكون الأوزان الشعرية متفرقة في لهجات القبائل [1] . وهنا أثبت الخضر وجود اللغة الأدبية متناقضًا بذلك الرافعي وجاء لإثباتها بأسبابها وآثارها.
ثم عقب بأن الإسلام لم يفرض على العرب لغة واحدة، واختلاف القراءات القائم على اختلاف اللهجات شاهد صدق على أن الإسلام لم يكلف القبائل بترك لهجاتها، ولم يحملها على لغة النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته من قريش. صحيح أن القرآن ذهب بجانب عظيم من الاختلاف، لكن هذا لا يمنع من أن يكون سبب طبيعي قد وجد قبل الإسلام، فساق ذوي العقول المنتجة من القبائل إلى أن يشتركوا في لغة يصوغونها في الأشعار والخطب، وهذا السبب هو فصاحة لسان قريش، وتلك المجامع التي ... كانت تنعقد حوالي مكة وتؤمها القبائل للتفاخر بالأحساب أو التنافس في حلبة البيان [2] . وهذا تنبه لهذه الهفوة كما فعل الخضري، وزاد عليه أن علل لرفضها بسيادة اللهجة قبل الإسلام، وأتى بما رآه مقويًا لتعليله.
وفي تعليل تاريخي وشرح وإسهاب، رأى جمعة أنه قد فازت لغة قريش بالغلبة في منظوم الشعراء بسبب انتقائهم الألفاظ الفصيحة المشهورة، وتشبههم بلغة قريش لأنها أقوى اللغات لدى التفاخر، وأصلحها للبقاء ولامتزاج فصيح لغات العرب فيها، ولكونها اللغة المعول عليها - طمعًا في كثرة المعجبين بشعرهم. فالإسلام لم يفرض على العرب لغة واحدة لكن العرب أنفسهم الذين اختاروا لغة قريش قبل الإسلام للأسباب السابقة، فلم تتقيد القبائل بلغة قريش لأنها لغة القرآن، بل تقيدوا بها لأنها أفصح اللغات، وهذه سنة نفذت في اللغة العربية كما جرت على لغة قدماء اليونان من قبل وعلى الفرنسيين وعلى الشرق
(1) ـ 104.
(2) ـ 113.