على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم: شاعر وساحر وكذاب ومجنون من صفات الفلاسفة؟ [1] . وهذه التساؤلات إنما تعرض من أحداث التاريخ ما يسقط حكم المؤلف. فهي من قبيل الاستدلال التاريخي. هذا ويعتبر رد الرافعي معتمدًا على الفهم الصحيح لما ورد في القرآن عن هذا الموضوع، وتهكمه قائمًا على أساس صلب من المنطق والفهم لنصوص القرآن وتاريخ العرب في الجاهلية [2] .
وفي حين كان هم الرافعي نفي صفة العلم والفهم عن الجاهليين اعتمادًا على ما جاء من معنى اللدد الذي وصفهم به القرآن، نرى الخضر حسين يثبت أن لهم علمًا وذكاءً، أرجعه إلى بعض شؤون الأفراد والجماعات وما دخل تحت تجاربهم من السنن الكونية، فوصف القرآن لهم بسعة العارضة واللدد في الخصومة أثر من آثار هذا الفن من العلم، وقد يستحق هذا الوصف من يأخذ الشُّبه التي تعرض لمن له حظ من النباهه الفطرية، ويلقيها في زخرف من فصاحة وحلية من بيان. حتى إذا طلعت الحجة ذهب زخرف الفصاحة وحلية البيان وبقي قصر النظر أو خطل الرأى مكشوفًا بارزًا. ففي الجاهليين المجادليين ذكاء وفيهم حذق في صناعة البيان ولكنهم لم يتجاوزوا بهما ظاهرًا من الحياة الدنيا [3] . وهكذا نرى الخضر يرجع بهذا الذكاء إلى البيان لا العقل، ولذلك لا يمكن أن نقول أنه تناقض مع الرافعي في ما ذهب إليه من معنى اللدد.
في حين توافق وجدي مع الرافعي تمامًا إذ بيّن أنه لو كان رفضهم للدين ثمرة قوة دينهم لجادلوا النبي صلى الله عليه وسلم كما جادله اليهود بالسؤال، ولكن هؤلاء كل مافعلوه أنهم تعجبوا من أمر التوحيد، وطالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بأمور لا تدل على شيء من الذكاء والعلم والقدرة على الخصام؛ بل على سذاجة لايعذرون عليها. وزعموا أن القران مفترى فتحداهم أن يأتوا بسورة
(1) ـ 159.
(2) ـ إبراهيم عوض / 118.
(3) ـ 51.