فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 341

ردًا على هذه الدعوى راح الخضر حسين في البداية يحقق في مسألة الأكثرية تحقيقًا تاريخيًا، ففي علماء اللغة والأدب للعهد الذي يتحدث عنه المؤلف الكثير من العرب، وفيهم كثير من بلاد العجم وليسوا بموال، وفيهم كثير من الموالي، وإذا تقصينا آثار هؤلاء لا نجد سوى روح علمية سامية، ومن قلة الإنصاف أن يقال عنهم أنهم كانوا يزدرون العرب ويغضون من أقدارهم [1] . ومن يقف على الحالة العلمية للعهد الأول، ويلم بحياة الرجال القائمين بها من عرب وعجم، يعرف صحة قول ابن خلدون: إن حَمَلَة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم. ويدري بعد هذا أن الكثرة المطلقة من أولئك العجم كانوا برآء مما يتهمهم به المؤلف. فلم تكن الكثرة إذن للموالي، وإنما الكثرة للعجم وليس كل العجم موالي، ومن العجم أو الموالي من لا يفضل أعجميًا على عربيًا إلا بالتقوى. كابن قتيبة وهو فارسي، والجاحظ وهو من الموالي، كانا أشد أنصار العرب في الرد على الشعوبية [2] . فظاهر الأمر أن الخضر يوافق المؤلف في الأكثرية، وإن دقق في التفريق بين العجم والموالي. لكن نقده انصب على نفي صفة الشعوبية عنهم بما استطاع من الأدلة التاريخية.

ثم بين الخضر اعتمادًا على النقل كذلك أنه قد نقد أبا عبيدة أناس يَزِنُون الرجال بالقسطاس المستقيم. فقالوا عنه إنه شعوبي يأتي بالغث والسمين في أخبارالعرب، ولكنه ثقة فيما يرويه عن العرب من الغريب [3] .

وقد اتفق وجدي مع الخضر فيما رأى، وزاد بيانًا حين قال عن الأمة الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى إن العربي القح ليأخذ لغته وأدبه ودينه وسياسته وعلمه عن ناس لا يسأل عن أنسابهم وأحسابهم، حتى اتفق أن كانت جمهرتهم من أجناس أجنبية إلا واحدًا هو إبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة. هذا الدليل التاريخي الذي أتى به وجدي يدل في نظرته الاجتماعية على مبلغ ما أفاده الإسلام للأمة العربية ذات العصبية الحادة من الأدب الاجتماعي العالي [4] .

(1) ـ 255.

(2) ـ 259.

(3) ـ 257.

(4) ـ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت