الشعرمن حين إلى حين، بينما كان القصص اليوناني شعرًا كله. وإن الأول لم يجد عناية المسلمين مثلما وجد الثاني من عناية اليونان. فبينما كان اليونان يقدسون الإلياذة والأوديسا ويعنون بجمعهما وترتيبهما وإذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن، كان المسلمون مشغولين بالقرآن وعلومه عن قصصهم هذا [1] .
وقد انتقد الخضر حسين مقارنة المؤلف بين القرآن والقصص اليوناني. فقد جاء القرآن بالحكمة والهداية، وقام المؤلف على شاكلة رجل تستوي في نظره فحمة الليل وغرة الصباح، فلا يكاد يأخذ في حديث إلا خرج منه حول العبث بالقرآن [2] .
ونلاحظ أن الخضر حسين هنا التفت إلى التعابير التي أخرج فيها المؤلف أفكاره وما توحيه من معنى - وهو أمر شائع في نقده - دون أن يبين الخطأ في مقارنة القصص الإسلامي باليوناني، الأمر الذي بينه جمعة ونبه إليه إذ ذكر أن المعارضة بين القصص العربي والشعر القصصي اليوناني محال لا ينطلي عليه، وترشيح لنظرية المؤلف. فهل تاريخ الإسلام في صدره الأول وحياة العرب زمن النبي صلى الله عليه وسلم والراشدين تشابه حروب تروادة ورحلة عولس وما بينهما؟ هل دله علمه التاريخي وفنه الأدبي على هذه المقارنة، أم قادته أحقاده على العرب والإسلام إليها؟ إن القرآن شريعة وعقيدة وقانون، وشعر"هوميروس"فن وخيال، والإلياذة والأوديسا شعر، والقصص فن كلام ورواية وإلقاء فيه تفسير قرآن وأحاديث وتواريخ أنبياء وقواد وأمراء. وواضع الإلياذة والأوديسا شاعر واحد والقصاص مئات [3] .
إن خبث النية ظاهر في مقارنة القرآن بشعر هوميروس، وهو ما نبه إليه الخضر حسين، أما كون القصص تفسيرًا للقرآن والأحاديث وكلام في التواريخ ولا خيال فيه كالشعر اليوناني فأمر إن كان يصدق على أغلبية القصاص في القرن الأول، فإن القصاص في القرن الثاني اتخذوا هذا الفن مهنة لاستهواء
(1) ـ 91.
(2) ـ 229.
(3) ـ 236.