وقد ضحك الرافعي من الجامعة كما يضحك من"شارلي شابلن"، فقد كشف عن آثار مصنع إسلامي عظيم للتلفيق والكذب رؤساؤه من القصاص، والعمال فيه طائفتان عظيمتان إحداهما لتلفيق الأخبار والأخرى لوضع الشعر، وكلما اجتمع مقدار من إنتاج المصنع أرسل إلى الأسواق. ألا يعلم المؤلف أنه كان من الرواة والعلماء والمتكلمين قوم متعصبون على العرب وكانوا معاصرين للقصاص الذين يتحدث عنهم، فكيف سكتوا ولم يفضحوا العرب وتاريخهم وأدبهم بهذا المصنع [1] ؟! فبعد السخرية من الفكرة اعتمد الرافعي في ردها على تناقضها مع مواضيع أخرى كان المؤلف عول عليها في غير هذا الموضع.
أما الخضر حسين فقد سخر من الموضوع بطريقة أخرى حيث ... رأى المؤلف منسابًا في الحديث عن القصص حتى سرت إليه العدوى من القصاص، ومسه طائف من الخيال، فجعل يفرض أن هناك شركة مؤلفة باسم القاص، ولهذه الشركة مصانع لعمل الأخبار والأشعار. وقصارى ما نقد الخضر فيها أنْ بين أنّ وجود هذه الشركة يحتاج إلى أمارة أوضح من دلالة كلمة ابن إسحاق [2] . فهذا الدليل لا يستقل بالدلالة على المقصود.
وقد رأى الغمراوي - في موقف أكثر علمية من سابِقَيْه - أن كون كل قاص يشرف على طائفة من الشعراء لا يمكن الأخذ فيه بالظن والتخمين، وهو مستبعد لأن القصاص لم يكونوا شعراء، والشعر في كثير من تلك القصص جيد حسن لا يقدر عليه إلا من يصدر في شعره عن عاطفة. فمن المستبعد أن يكون قد قاله من الشعراء الطائفة التي استأجرها القصاص. والقصاص أنفسهم كانوا لا يقدرون من الأجر على كثير إن قدروا منه على شيء. إنما كان ذلك الشعر موجودًا في الأدب تراكم فيه قبل أن يظهر القصص فتمثل القصاص به في المواقف المختلفة وأبدوا في ذلك جودة حكم وحسن ذوق وسعة اطلاع [3] . وهذه النظرة المنطقية للأمر توضح لا معقولية الفكرة وتنافيها مع التاريخ الأدبي الثابت
(1) ـ 247.
(2) ـ 232.
(3) ـ 245.