كغيرها من البلاد، وإنما حرمت بدعوة إبراهيم، ووجه الجمع بين القولين وهو الصواب أن الله تعالى حرم مكة يوم خلقها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» ولكن لم يظهر ذلك التحريم على لسان أحد من أنبيائه ورسله، وإنما كان تعالى يمنعها ممن أرادها بسوء، ويدفع عنها وعن أهلها الآفات والعقوبات فلم يزل ذلك من أمرها حتى بوأها الله تعالى إبراهيم وأسكن بها أهله فحينئذ سأل إبراهيم ربه عز وجل أن يظهر التحريم مكة لعباده على لسانه فأجاب الله تعالى دعوته، وألزم عباده تحريم مكة فصارت مكة حرامًا بدعوة إبراهيم، وفرض على الخلق تحريمها والامتناع من استحلالها واستحلال صيدها وشجرها فهذا وجه الجمع بين القولين وهو الصواب، والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين ذم الله تعالى لمن استأذن النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد، كما في قوله تعالى {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} وبين مدح من استأذن عن الجهاد في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} فإن ظاهر الآية الأولى يتعارض مع ظاهر الآية الثانية، فكيف الجمع؟ فأقول:- لا تعارض ولله الحمد والمنة، بيان هذا أن نقول:- إن المؤمنين كانوا يسارعون إلى طاعة الله وجهاد عدوهم من غير استئذان فإذا عرض لأحدهم عذرًا استأذن في التخلف فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرًا في الإذن لهم بقوله تعالى فأذن لمن شئت منهم وأما المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم الله تعالى بهذا الاستئذان لكونه بغير عذر. فالآية الأولى محمولة على الاستئذان الذي مبدؤه الهرب من الجهاد ولا عذر فيه يعتبر شرعا، وإنما هو الخوف من القتل والفرار من الزحف، وكراهة نصر الله تعالى ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو استئذان المنافقين، والآية الثانية محمولة على الاستئذان الذي له وجه شرعي، وهو استئذان المؤمنين، فمحل الذم