المسجد النبوي بالمدينة. فكيف هذا الأمر؟ فأقول:- لا منافاة بين الأمرين، ولا تعارض بين الحديثين, لأن قوله تعالى {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} إنما يريد به الوصف، ولا يريد به مسجدا معينا، بمعنى أن المسجد الذي هو أحق أن تصلي فيه هو ذلك المسجد الذي يوصف بأنه أسس على التقوى من أول يوم، فهو لا يعني مسجدا معينا، حتى يحصل الخلاف لو عين غيره، وإنما يريد به الوصف وعلى ذلك فيدخل في عموم الآية المسجدان جميعا، مسجد المدينة على مقتضى حديث أبي سعيد ويدخل فيه مسجد قباء، على مقتضى الأحاديث الأخرى، بل نحن نقول:- حتى لو كان المراد بالمسجد في الآية هو عين مسجد قباء، فإن صدقها على مسجد المدينة من باب الأولى، فإنه إن كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فإن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يثبت له هذا من باب أولى، وعلى العموم، فالأقرب عندي في الآية هو ما ذكرته لك من أن المراد بالمسجد المذكور في الآية الوصف لا العين , فالمسجد الذي هذه صفته هو أحق المساجد في أن تقوم فيه، فيدخل فيه المسجدان:- مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء، والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- كيف الجمع بين القراءتين الواردتين في الآية السادسة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} فإن قوله"وأرجلكم"فيه قراءتان سبعيتان، فقرئت بالفتح وقرئت بالكسر، وعلى قراءة الفتح تعني أنها معطوفة على الأيدي فهي مغسولة مثلها، وعلى قراءة الكسر تكون ممسوحة، لأنها حينئذ تكون معطوفة على الرأس، فكيف هذا؟ لأن المسح شيء والغسل شيء، فكيف الحال في هذا الأمر؟ فأقول:- الأمر واضح لا خفاء فيه، وقد اختلفت أنظار أهل العلم رحمهم الله تعالى في وجه الجمع، فأقول:- أما الرجلان فرضهما الغسل في الحق الذي لا يجوز الخلاف فيه، قال تعالى {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا كافيا