والمدارة وما يعانيه النساء تساوى الأبوان وزال السبب الموجب لتقديم الأم فصار العدل في حقهما وحق التخيير بينهما والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين حديث زيد بن خال الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ..."فهذا نص في استحباب هذا الوصف وأن الوصف محمود أعني:- الإدلاء بالشهادة قبل سؤالها من قبل صاحب الحق، كيف ذلك وقد قال عليه الصلاة والسلام"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم - مرتين أو ثلاثًا - ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن"وهذا أوصاف ذم، وقد ذكر منها من يشهد ابتداء من غير استشهاد، أي أنه من يدلي بالشهادة قبل استشهاده، يكون مذموما وقد مدحه في الحديث الأول؟ فأقول:- هذا عن مواضع الإشكال فيما يظهر، ولكن الأمر واضح لمن بصره الله تعالى وهداه ووفقه، وقد تكلم أهل العلم في ذلك وذكرت أوجهًا للجمع كثيرة، وأقربها عندي ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، من عنده شهادة لغيره فلا يخلو إما أن يكون هذا الغير عالمًا بها وإما لا، فإن كان لا يعلم بها وسيضيع حقه بدونهما فإنه يجب على صاحب الشهادة الإدلاء بشهادته حتى وإن لم يسأله أحد، بل يشهد بها ابتداء من غير استشهاد وعليه يحمل حديث"الذي يأتني بشهادته قبل أن يسألها"ذلك لأن صاحب الحق يجهل أن فلانا عنده هذه الشهادة، فتضامنا مع صاحب الحق لحفظ حقه وعد ضياعه فعليه أن يدلي بهذه الشهادة ولا حق له في كتمها، فهو خير الشهود لما تتضمنه شهادته من إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة الضعيف، وحفظ حقه له، وإما إن كان صاحب الحق يعلم بهذه الشهادة وأن فلانا قد تحمل هذه الشهادة ولكنه لم يطلبها منه ولم يسأله الإدلاء بها عند الحاكم أو غيره، ففي هذه الحالة يكون من التدخل المذموم والتطفل القبيح أن يقحم نفسه فيما لا شأن له فيه فيأتي ويدلي بالشهادة من غير أن يطلب منه أحد أن يشهد مع علم صاحب الحق أنه من حملة شهادة لكنه ترك استشهاده عمدًا وقصدا لغرض من