إن قيل:- إننا نجد في أحاديث السهو شيئًا من التعارض، ذلك لأن في بعضها قد سجد النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام كما في حديث أبي هريرة في إحدى صلاتي العشر أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ركعتين ثم سلم فأخبر بذلك فاستقبل القبلة وصلى ركعتين ثم سلم ثم سجد للسهو ثم سلم، وكما في حديث ابن مسعود لما صلى خمسًا كذلك سجد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد السلام قال"إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحر الصواب وليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد"ومرة سجد النبي صلى الله عليه وسلم قبل السلام فعلًا منه وقولًا، كما في حديث ابن جينة لما ترك الجلوس للتشهد الأول، ففي آخر صلاة سجد سجدتي السهو فكان ما ترك من الجلوس"وكما في حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا"ممن شط في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثًا أم أربع فليطرح الشك وليبين على ما استقين وليسجد سجدتين قبل أن يسلم ... والحديث"وكل هذه الأحاديث في الصحيحين أو أحدهما، فكيف مرة يسجد للسهو قبل السلام ومرة يسجد له بعد السلام أوليس هذا من الاختلاف والتعارض؟ فأقول:_ لا، ولا طرفة عين بل هو عين الكمال والاتفاق لمن آتاه الله فهمًا في مثل هذه المسائل، وبيان ذلك أن نقول:- إن التعارض إنما يكون عند اتفاق صورة السهو لا عند اختلاف الصور، كما هو الحال هنا، فوجه الجمع هنا يكون على طريقة اختلاف الحال، فالنبي صلى الله عليه وسلم نوع في سجود السهو قبل السلام في صورة وبعده في صورة لتنوع الحال التي هي سبب سجود السهو، ودونك هذا التفصيل فأقول وبالله التوفيق:-"
الحالة الأولى:_ إن ترك الإنسان واجبًا من واجبات الصلاة ذكر قبل فوات محله عاد وأتى به ولا سجود عليه، وأما إن لم يذكر إلا بعد فوات محله فإنه لا يعود إليه فالواجب في الصلاة يفوت بفوات محله وسجوده سهوا قبل السلام. كما في حديث ابن جينة وما وافقه من أحاديث السنة فحديث ابن جينة وما وافقه يحمل على من ترك واجبًا في الصلاة لأن المتروك في الحديث كان هو الجلوس للتشهد الأول وهو من واجبات الصلاة، فسجود النبي صلى الله عليه وسلم لتركه سهوا قبل السلام دليل على أن هذا هو الشأن في كل واجبات الصلاة.