(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة , فهذا دليل على أن الشفعة لا تدخل إلا في مال المشاع الذي لم يقسم وأما ما قسمت وعرفت حدوده وصرفت طرقه فلا تدخله الشفعة كيف ذلك مع حديث أبي رافع مرفوعا"الجار أحق بسبقه"وحديث"الجار أحق بشفعة جاره ينتظر به إذا كان غائبًا إن كان طريقهما واحد"وحديث"جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض"مع أن حق الجار معروف حدوده ومقسوم عن حق جاره ومع ذلك ففيه الشفعة فكيف ذلك؟ فأقول:- لا إشكال في ذلك ولله الحمد والمنة والجمع بين الأدلة واجب ما أمكن وذلك بقاعدة العموم والخصوص، فحديث جابر الأول يقضي أن ما قسم فلا شفعة فيه وهذا عام في كل ما قسم والأحاديث الأخرى تفيد جوز الشفعة لجار خاص في حق جاره فقط، وهذا خاص، وقد تقرر في القواعد أن الخاص مقدم على العام، وعليه فلا شفعة في كل مال مقسوم إلا للجار في دار جاره إذا كان بينهما منفعة مشتركة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال"إذا كان طريقهما واحد"فإذا كان بين الجارين منافع مشتركة فلأحدهما أن يشفع في حق الآخر، وعلى ذلك فلا إشكال ولا تعارض ولم نهمل أي حديث، بل عملنا بالجميع، كل في دلالته والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم"ليس على الخائن قطع"وهو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهما، فإن هذا الدليل على أن الخائن لا قطع عليه وبين حديث عائشة في أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. رواه مسلم في الصحيح، فإن جحد العارية نوع من الخيانة فجاحد العارية خائن ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها مع أنه نفي القطع عن الخائن، فكيف ذلك؟ فأقول:- لا تعارض بين هذه الأحاديث ولله الحمد والمنة وذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم""