(فصل)
إن قيل:- كيف نجمع بين قوله تعالى {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} وحديث"لا تخيروا بين الأنبياء"وحديث"لا تفضلوا بين أنبياء الله"فإن هذه النصوص تقطع بالنهي عن التفضيل بين الأنبياء، كيف ذلك مع قوله تعالى {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} وحديث"أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر"وأجمع أهل السنة على أن الرسول أفضل الأنبياء وعلى أن أفضل الرسل هم أولوا العزم وعلى أن أفضل أولي العزم الخليلان وأن أفضل الخلق على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم , وهذا كله بالإجماع، وعلى ذلك فتحمل الأحاديث الناهية عن التفضيل على أمور:-
أحدها:- إن كان ذلك في أصل الإيمان، فهذا محرم لا يجوز، لأنه يجب علينا أن نؤمن بكل الرسل إيمانًا واحدا باعتبار أصله، فلا يجوز التفريق بينهم في أصل الإيمان، أي أن يقول:- أنا أؤمن بموسى أكثر من نوح، أو أؤمن بمحمد أكثر من إبراهيم وهكذا، فهذا محرم بل ردة، لأن من أركان الإيمان المقررة بالإجماع والنقل الإيمان بالرسل، وهذا معنى قوله تعالى {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} أي في أصل الإيمان، واعلم رحمك الله تعالى أن من كفر بواحد من الرسل المنصوص عليهم في القرآن فهو من كفر بهم جميعًا، قال تعالى {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} مع أنهم ما كذبوا إلا نوحًا {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} مع أنهم ما كذبوا إلا هودًا {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} مع أنهم ما كذبوا إلا صالحًا، ذلك لأن رسالة الأنبياء واحدة فمن كذب بواحد من الرسل فكأنه كذب برسالة الأنبياء جميعًا، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} فالتفريق بين الرسل في الإيمان لا يجوز كما قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} .
ثانيها:- أن يكون التفضيل بين الرسل جزافًا بلا برهان ثابت ساطع ولا دليل مقبول قاطع، وإنما يكون مبدؤه الهوى فهذا لايجوز، لأن هذه الفضائل غيب، والغيب