الرابع:- أن الميت يتألم بما يقع من أهله من الحزن عليه، وهذا الألم من جملة العذاب المذكور في الحديث، فهو يتألم ويتأذى بما يقع من أهله رقة لهم وشفقة عليهم وهذا على غرار حديث"السفر قطعة من العذاب"وهو مسلك أبي العباس في الجمع بين هذه الأحاديث. وكلها مسالك صحيحة لا غبار عليها وخلاصة الكلام، أن الميت إن كان له سبب في هذه النياحة بوصية أوامر أو ندب إليها وترك الإيصاء بتركها إن كانت من عادة أهله أو كان هو الذي سنها فالعذاب يراد به معنى العقاب لأنه تسبب في هذه النياحة , وقد تقرر أن المتسبب كالمباشر , أما إن لم يكن له دور ولا سبب في هذه النياحة فإن المراد بعذابه أي الألم الذي يصيبه من واقع أهله ومن شدة حزنهم وكثرة عبرتهم ودوام بكائهم وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه الأدلة والله أعلم.
(فصل)
إن قيل:_ لقد وردت أحاديث تفيد أن أكثر ساكني الجنة رجال، وأن أقل ساكنيها النساء، كما في حديث عمر ابن حصين مرفوعًا"إن أقل ساكني الجنة نساء"وفي الحديث"رأيت النساء فإذا أكثر أهل النساء يكون ... الحديث"وهناك أحاديث تفيد أن أكثر أهل الجنة نساء كحديث"لكل امرئ منهم - أي في الجنة - زوجتان اثنتان"فإذا كان لكل رجل في الجنة زوجتان اثنتان فإن ذلك يوجب أن يكون النساء ضعفي عدد الرجال فكيف ذلك؟ فأقول:- لا تعارض ولله الحمد والمنة وبيانه أن المراد بقوله"إن أقل ساكني الجنة النساء"أي النساء من بني آدم"فإن عدد نساء بني آدم مقارنة بالرجال من بني آدم قليل وأما الكثرة في الجنة فهي للحور العين، وقوله"لكل امرئ منهم زوجتان"إنما يراد به من الحور العين لما رواه في الصحيح"لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين"فإذا انضم عدد النساء الجنة من بني آدم إلى الحور العين لا شك في أن عددهن سيكون أكثر من الرجال وأما إذا أخذن منفردات عن الحور العين فهن أقل ساكني الجنة كما صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم."
(فصل)